مقالات

الانضباط الذي لا ينتهي: ادب الخدمة ووقار ما بعدها

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

الانضباط الذي لا ينتهي: ادب الخدمة ووقار ما بعدها

تقوم التربية في الكليات العسكرية على مبدأ جوهري مفاده ان الانضباط ليس سلوكا مؤقتا تحكمه الرتبة، بل قيمة انسانية تُغرس في الوعي قبل ان تُمارس في الميدان. فالغاية من التعليم العسكري ليست انتاج ضابط يطيع الاوامر فقط، بل صناعة انسان منضبط يعرف كيف يحكم نفسه قبل ان يحكم غيره. من هنا يصبح الانضباط اسلوب حياة، لا مرحلة وظيفية.

اثناء الخدمة، يتجلى الانضباط في صورته التنظيمية الواضحة. اوامر تصدر، ولوائح تحكم، وتسلسل رتب يضمن حسن الاداء وتماسك المؤسسة. احترام الرتبة والاقدمية هنا ليس تعظيما للاشخاص، بل حماية للنظام. هو ضرورة عملية، لا خيارا اخلاقيا. ولهذا يكون الانضباط اثناء الخدمة مفروضا بالقانون، تحرسه الرقابة، وتدعمه المساءلة.

لكن الكليات العسكرية، في عمق فلسفتها، تعد الفرد لمرحلة اكثر حساسية: مرحلة ما بعد الرتبة. فالانضباط الحقيقي هو ذاك الذي يبقى حين تغيب الاوامر، وحين لا يعود هناك جزاء ولا عقاب. عند المعاش، تسقط السلطة الادارية، لكن لا ينبغي ان تسقط القيم. هنا ينتقل الانضباط من شكله الرسمي الى جوهره الاخلاقي.

الاقدمية في التخرج، بعد ترك الخدمة، لا تعود سلطة ولا امتيازا، لكنها تبقى سبقا في التجربة يستوجب الادب. احترام الاقدم هو احترام للزمن الذي سبقك، وللمواقف التي خاضها قبلك، وللذاكرة المشتركة التي صنعت الجميع. تجاهل هذا السبق باسم المساواة ليس تحررا، بل قطيعة مع الجذور. وفي المقابل، تحويله الى اداة فرض هو تشويه لمعناه.

ادب الانضباط بعد المعاش، كما تفهمه الكليات العسكرية، يبدأ بضبط اللسان قبل اي شيء. ان تحسن الخطاب، وان تختار كلماتك، وان تدير الخلاف بهدوء. فالاختلاف بعد المعاش لا تحكمه لوائح، بل اخلاق. ومن لا يملك ادبه، لا يملك انضباطه، مهما كان تاريخه.

الوقار هنا يصبح اعلى درجات الانضباط. ليس الوقار صمتا دائما، ولا تجهما، بل اتزانا. ان لا ترفع صوتك لتثبت وجودك، ولا تستدعي تاريخك لتفرض رأيك، ولا تقلل من غيرك لتعلو. الوقار العسكري هو حضور هادئ، يجعل الاخرين يصغون دون اكراه.

وفي المجالس وقروبات المعاشيين، تتجلى هذه القيم بوضوح. الكلمات المكتوبة تصبح شهادة، والنبرة تعكس التربية. من ادبيات الاحترام ان لا نقاطع، ولا نسخر من تجربة، ولا نحول الذكريات الى وسيلة مزايدة. التاريخ للتقدير لا للمفاخرة، والخبرة للنصح لا للهيمنة.

كما ان ادب الاقدمية لا يكتمل الا بتواضع الاقدم نفسه. الاحترام لا يفرض ولا يطالب به. حين يدرك الاقدم ان دوره بعد المعاش هو القدوة لا القيادة، والنصيحة لا الامر، يترسخ احترامه تلقائيا. وحين يشعر الاحدث ان الاحترام لا يعني التهميش، يولد التوازن.

نحن بعد المعاش لسنا افرادا معزولين، بل ذاكرة جماعية تمشي بين الناس. كل سلوك يصدر عنا اما ان يحفظ صورة المؤسسة التي خرجنا منها، او يسيء اليها. الانضباط هنا مسؤولية مشتركة، لانه اخر ما تبقى لنا من الرتبة.

الخلاصة ان الرتبة التي تنتهي بالمعاش هي الرتبة الرسمية، اما الرتبة التي لا تسقط فهي الاخلاق. الانضباط اثناء الخدمة يحفظ النظام، والانضباط بعد الخدمة يحفظ الكرامة. ومن استوعب هذا الدرس، ظل عسكريا بالخلق، ومدنيا بالحكمة، وخادما للوطن حتى بعد ان صمتت الاوامر وبقي السلوك شاهدا.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى