الأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي في السودان: من المعرفة المحلية إلى السيادة الوطنية
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

الأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي في السودان: من المعرفة المحلية إلى السيادة الوطنية
من امتلك غلاله امتلك قراره
الغذاء هو مفتاح السيادة، ومن امتلك آليات تخزينه وإدارته امتلك القدرة على تقرير مصيره في عالم تسوده الأزمات والتقلبات. وقد صدق الله تعالى حين قال:
﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ [المائدة: 66]
فالغذاء وفير حيثما سادت القيم والعلم والتنظيم.
تشير الاستراتيجية القومية ربع القرنية للتنمية 2007–2031 إلى أن الأمن الغذائي أحد مرتكزات النهضة الاقتصادية والاجتماعية، وقد أكدت على ضرورة بناء مخازن استراتيجية في كل الولايات مع ربطها بشبكة النقل والموانئ ومراكز التوزيع. لكن غياب التنفيذ الكامل وضعف المتابعة والتنسيق جعلا كثيرًا من هذه الأهداف مجرد رؤى غير مفعّلة.
ولضمان فعالية التخزين وربط المنتج بالأسواق، لا بد من تشجيع الجمعيات التعاونية الزراعية لتكون الحاضنة الأولى لمخازن الغلال الصغيرة وذراع الدولة في السيطرة على الأسعار وتوفير المخزون المحلي في مواجهة الكوارث الطبيعية والتقلبات الاقتصادية.
ووفقًا لتعريف منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فإن الأمن الغذائي يتحقق عندما يكون لدى جميع الناس، في جميع الأوقات، إمكانية الحصول المادي والاجتماعي والاقتصادي على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ لتلبية احتياجاتهم الغذائية وتفضيلاتهم لحياة نشطة وصحية. غير أن هذا الأمن لا يقوم فقط على الإنتاج، بل يعتمد بدرجة كبيرة على التخزين والتوزيع والقدرة على الصمود أمام الأزمات. ومن هنا تأتي أهمية المخزون الاستراتيجي كوسيلة عملية لترسيخ الأمن الغذائي وضمان الاستقلال والسيادة الاقتصادية.
ورغم دخول وسائل التخزين الحديثة، لا تزال المجتمعات السودانية في الريف والمدن الصغيرة تحتفظ بأنماط تخزين تقليدية تعكس تكيّفها مع البيئة ومعارفها الموروثة، منها:
الدبنقا: وعاء طيني ثقيل لحفظ الغلال في دارفور، يتطلب الحذر عند تحريكه، ومنه جاء المثل الشعبي: “دنيا دبنقا دردقي بشيش”.
السيبة: مخزن طيني متصل بـ”الجبراكة” في جبال النوبة، تديره المرأة لحفظ الحبوب لعام كامل.
المطمورة أو المدفن: حفرة أرضية تُعزل وتُغطى بالطين والحصر، منتشرة في شرق السودان (خاصة القضارف).
الشونة: مستودع مرتفع من الطين يحمي الغلال من القوارض، ومنها جاء لقب “كاتب الشونة” في عهد السناريين.
القُسيبة أو القوسي: مخزن فخاري نوبي مصنوع من الطين وروث البهائم، يُمسح بالجير الأبيض، وتديره النساء لحفظ التمر والحبوب.
السويبة: مخزن أسطواني يُبنى بالحطب والطين على قواعد حجرية.
المرقون: مخزن داخلي لدى الرباطاب، يحوي أزيارًا كبيرة تُستخدم لحفظ الحبوب، ويُستخدم فيه الرماد كمادة حافظة.
القطاطي ومخازن أخرى محلية الصنع بأشكال متعددة.
ورغم أهميتها البيئية والمعرفية، تواجه هذه النظم تحديات كبيرة، أبرزها الفاقد الناتج عن الحشرات والرطوبة، والذي يصل أحيانًا إلى ربع الكمية المخزنة، ما يدفع المزارعين لبيع محاصيلهم مبكرًا خوفًا من التلف، فيتأثر أمنهم الغذائي ودخلهم.
وقد بدأت الدولة منذ ستينيات القرن الماضي بإدخال الصوامع الحديثة مثل صومعة البنك الزراعي بالقضارف (100,000 طن)، تلتها صوامع بورتسودان وبحري وغيرها، إلى جانب الصوامع البلاستيكية الأفقية. إلا أن الأداء ظل دون الطموحات، بسبب الفجوة بين الطاقة التخزينية العالية وضعف السياسات السوقية، ما أدى إلى كساد في الإنتاج وتراكم الديون على المزارعين وغياب التنسيق بين الجهات المنتجة والتنفيذية.
ورغم تعدد المبادرات الرسمية، لا تزال هناك فجوة في الرؤية التكاملية التي تجعل التخزين جزءًا من منظومة الأمن الغذائي الشاملة، لا مجرد مرفق فني. فالمخزون الاستراتيجي يجب أن يُدار برؤية تنموية تستند إلى الشفافية، والتخطيط طويل المدى، وتحفيز الإنتاج المحلي، لا أن يكون مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
ومن هنا تبرز أهمية دمج المعرفة المحلية التي تشكلت عبر قرون من التراكم المعرفي والتكيّف البيئي، مع التقنيات الحديثة، وتفعيل دور المجتمعات الريفية والجمعيات التعاونية وتمكين النساء بوصفهن الفاعل الأول في سلسلة الإنتاج والتخزين.
إن إعادة الاعتبار للطرق التقليدية في التخزين لا يعني العودة إلى الوراء، بل يمثل بعدًا استراتيجيًا حين تُدمج هذه المعارف في السياسات الوطنية، ويُعترف بها كأصول معرفية قابلة للتحديث والتكامل.
من امتلك غلاله امتلك قراره، ومن أمسك بمفاتيح التخزين والتحكم الغذائي أمسك بمقاليد السيادة والاستقرار. فالغذاء لم يعد مجرد سلعة، بل أصبح أداة للتحكم أو وسيلة للتحرر.
والسودان بما يملكه من تنوع بيئي وثقافي ومعرفي وموقع استراتيجي، قادر أن يكون سلة غذاء حقيقية لا مجرد شعار، إذا ما تم تفعيل طاقاته التخزينية والإنتاجية عبر نهج استراتيجي تكاملي يربط بين الماضي والمستقبل، بين الريف والميناء، وبين المنتج والمستهلك، وتُبنى عليه سياسات تحقق الاكتفاء الذاتي وتحرر القرار الوطني من التبعية.
فليس هناك سيادة بلا غذاء، ولا غذاء بلا تخزين، ولا تخزين بلا رؤية.التكامل بين التراث والتقنية: رؤية دبلوماسية متوازنة
لتحقيق السيادة الغذائية، يجب دمج الحكمة المحلية مع السياسات الدولية والتقنيات الحديثة:
آليات مقترحة: تعزيز الشراكات الدولية :
– الانضمام لمبادرات مثل إعلان روما ١٩٩٦ الذي يوجب على الحكومات “تهيئة بيئة مواتية للأمن الغذائي” .
– تفعيل اتفاقيات التعاون جنوب-جنوب لنقل تقنيات التخزين الذكي (مثل الصوامع البلاستيكية الأفقية) .
دور الجمعيات التعاونية :
– جعلها “حاضنات” للمخازن المحلية، وربطها بشبكات التوزيع الوطنية، كما نصت الاستراتيجية ربع القرنية.
– تمكين المرأة :
– دعم أدوارها في إدارة الأنظمة التقليدية (كالسيبة والقُسيبة)، وتدريبهن على تقنيات الحد من الفاقد .
“الغذاء لا ينبغي أن يُستخدم أداة للضغط السياسي” – إعلان روما .
. نحو سياسة تخزينية متكاملة: جسر بين المحلي والعالمي
ركائز الاستراتيجية المقترحة:
تحديث البنى التحتية :
– إنشاء مخازن استراتيجية متصلة بالموانئ، مدعومة بأنظمة رصد ذكية (مثل Farmonaut لمراقبة المحاصيل) .
الاستجابة للأزمات :
– تطبيق آليات قرار مجلس الأمن ٢٤١٧ الذي يُجرّم استخدام الجوع سلاحاً في الحروب، وحماية المخازن من النهب .
التمويل الدولي :
– السعي لإعادة تفعيل الدعم المعلَّق من البنك الدولي (٣٠٠ مليون دولار لتطوير الري)، والاستفادة من صندوق الأمن الغذائي التابع للاتحاد الأفريقي .
السيادة الغذائية.. من الحق إلى الواقع
“ليس هناك سيادة بلا غذاء، ولا غذاء بلا تخزين”.
السودان قادر على تحويل تنوعه البيئي والثقافي إلى “سلة غذاء” حقيقية، عبر: الاعتراف بالمعارف المحلية كأصول قابلة للتحديث.
– الالتزام بالاتفاقيات الدولية كإعلان روما الذي يؤكد حق الشعوب في “التحرر من الجوع”.
– بناء توافق وطني يدمج التخزين الاستراتيجي في سياسات مكافحة الفقر .
فكما قال الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره لمجلس الأمن:
“إن الجوع تهديد للاستقرار العالمي”
وتبقى السيادة الغذائية تعبيراً عن إرادة وطنيةٍ تحوّل التحديات إلى فرص، والمعرفة التراثية إلى منصَّة للابتكار. غلال في “الدبنقا”: كيف نكسب سيادتنا من تحت التراب؟
لو قلت لك إن سر السيادة الوطنية يمكن أن يكون داخل حفرة طينية في دارفور، أو في مخزن فخاري صغير بجوار جبراكة في جبال النوبة، أو حتى داخل زير مليء بالذرة تحت الرماد عند الرباطاب… هل ستصدق؟
نحن في زمن “التحكم عن بعد”، لكن لا يزال الغذاء هو الزر الذي يتحكم بكل شيء: السلام، الحرب، السوق، وحتى السياسة. ومن يمتلك غلاله – كما نقول في الأمثال – يمتلك قراره.
حكي لى زميلى عبد الوهاب عثمان عندما كنا ندرس الزراعة قال لى : وأنا طفل صغير في قريتنا، كيف كانت جدتي تفتح “المطمورة” في بداية الخريف، وتنزل بحذر شديد لتخرج الذرة المخزنة منذ العام الماضي. كنا نظن الأمر عاديًا. الآن، أفهم أن تلك الحفرة كانت نوعًا من المخزون الاستراتيجي المصغر، وأنها – بما فيها من رماد وسعف ونمل وحكمة نساء – كانت تحمي بيتنا من الجوع، وتحمي كرامتنا من سؤال الناس.
السودان بلد يعرف التخزين منذ قرون، لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أن المخزن ليس فقط مكانًا، بل فكرة. وهو فكرة عظيمة لدرجة أن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تعتبره ركنًا أساسيًا في تحقيق الأمن الغذائي. فليس كافيًا أن تنتج، بل يجب أن تعرف كيف تخزّن ومتى توزع، ومتى تمنع البيع ومتى تسمح به.
الكتب الاستراتيجية تقول إن لدينا خططًا لتخزين الحبوب في كل ولاية، وربطها بالموانئ والأسواق، وأن الجمعيات التعاونية الزراعية يجب أن تكون حاضنة هذه المخازن. كلام جميل. لكنه ظل على الورق. والسبب؟ ليس نقص المال فقط، بل غياب المتابعة، التنسيق، والجدية.
وعندما غابت الدولة عن التخزين، عادت “الدبنقا” إلى الواجهة. وعادت “السيبة” و”القوسي” و”الشونة” لتحمل العبء، كما حملته من قبل. لكن المشكلة أن هذه المخازن الشعبية تتعرض لخسائر بسبب الحشرات والرطوبة، مما يجعل كثيرًا من المزارعين يبيعون محاصيلهم مبكرًا – فيخسرون السعر ويفقدون الأمن الغذائي.
ومع ذلك، لا يجب أن نضحك على هذه الطرق أو نحتقرها. على العكس، يجب أن نُعيد اكتشافها. فالتراث هنا ليس حنينًا للماضي، بل هو مورد اقتصادي استراتيجي. كل “مطمورة” يمكن أن تكون نموذجًا لتقنية تخزين حديثة، لو جمعنا بين علم الأجداد وتكنولوجيا الأبناء.
نحن نملك صوامع ضخمة في القضارف وبورتسودان وبحري. ولكن هل تكفي؟ لا. لأن التخزين لا يُقاس فقط بحجمه، بل بذكائه، وعدله، وارتباطه بالسياسة الزراعية.
لو كنت مسؤولًا، أو مزارعًا، أو شابًا يحب بلده، فكر في هذا:
هل من الحكمة أن نزرع آلاف الأطنان من القمح ثم نبيعها بسعر بخس لأننا لا نملك مخزنًا؟
هل من الحكمة أن نترك القرى تخسر غلالها بينما نخزن في المدن ما لا يُستهلك؟
وهل من الحكمة أن ننتظر من الخارج غذاءً يمكن أن نحفظه تحت أقدامنا؟
لا توجد سيادة بلا غذاء.
ولا غذاء بلا تخزين.
ولا تخزين بلا خطة، ولا خطة بلا احترام لما عندنا من علم ومعرفة وأوانٍ طينية قديمة.
فلنبدأ من هناك. ملحوظة:
وبعد، فإن هذ المقال أعلاه محاولة لتقريب المعرفة من القارئ، بعيدًا عن الطرح العلمي الجاف، الذي يتجنبه كثير من الناس في زمن أصبحت فيه الثقافة مشهدًا بصريًا أو مقطعًا سريعًا. لكنها في أصلها استلهام لمادة أعمق وردت في كتابي “الآثار الاقتصادية والاجتماعية للاستراتيجية الزراعية” مع توظيفٍ يعكس أن السيادة لا تبدأ من البرلمان بل من المزرعة والمخزن والوعي.






