مقالات

الحبوب الزيتية في السودان: مورد استراتيجي في مسار الاستقلال الغذائي والطاقي

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

الحبوب الزيتية في السودان: مورد استراتيجي في مسار الاستقلال الغذائي والطاقي

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُبَارَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾

سورة النور، الآية 35

في ضوء الاستراتيجية القومية ربع القرنية للتنمية الزراعية 2007–2031م، التي أكدت على تنويع مصادر الإنتاج الزراعي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الزيوت النباتية، تبرز الحبوب الزيتية كمورد استراتيجي حيوي يجمع بين الأمن الغذائي، والاستقلال الصناعي، والتحول نحو الطاقة المستدامة.

ويمتلك السودان إمكانيات كبيرة تشمل أراضي خصبة ومناخاً مناسباً، وموروثاً فلاحياً واسعاً، إلا أن غياب منظومة التصنيع والتسويق أبقى هذه الثروة حبيسة الصادرات الخام، دون تطوير سلاسل القيمة أو تحقيق أثر تنموي ملموس.

زيت الزيتون: تجربة سودانية رائدة

أحد أبرز الشواهد على إمكانات السودان في هذا المجال، النجاح اللافت لتجربة السيد فقيري في زراعة الزيتون بأم درمان، وإمكان استخلاص الزيت بوسائل عصرية من إنتاج محلي خالص، مما يفتح آفاقاً جديدة لإدخال شجرة الزيتون المباركة في الدورة الزراعية، خاصة في المناطق شبه الجافة والصحراوية.

هذا النجاح ليس فردياً، بل نموذج لإمكانية التحول الزراعي المدروس وإحياء محاصيل ذات قيمة غذائية واقتصادية عالية. يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسها نار، دليل قرآني على نقاء الزيت المستخرج من شجرة الزيتون، وهو ما يمكن تحقيقه فعلياً في الزيت السوداني المزروع والمعصور محلياً، في حال خوض تجربة ستُبشر بإمكانات ذات جودة عالمية بإذن الله تعالى.

يمتلك السودان ميزة نسبية في زراعة الحبوب الزيتية، وعلى رأسها السمسم، الفول السوداني، دوار الشمس، الكتان، الخروع، الجاتروفا، وبذرة القطن، ويتوفر له مقومات التوسع من حيث المساحات، المناخ، الخبرة الفلاحية، والأسواق، إلا أن غياب الرؤية التنفيذية الفاعلة وانعدام التصنيع المحلي جعلا هذه الثروة محصورة في صادرات خامة لا تسهم في بناء صناعة أو تحقيق أمن غذائي مستدام.

أهمية الحبوب الزيتية ضمن رؤية الاستراتيجية القومية

البعد الغذائي: تلبية الطلب المحلي المتزايد على الزيوت وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

البعد الاقتصادي: توفير فرص عمل وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة.

البعد الصناعي: دعم الصناعات الغذائية، والدوائية، ومستحضرات التجميل.

البعد الطاقي: تطوير بدائل للوقود الحيوي من محاصيل مثل الجاتروفا والكتان وبذرة القطن.

البعد البيئي: المساهمة في الزراعة المستدامة والتنوع الزراعي.

أنواع الزيوت حسب الاستخدام

الزيوت الغذائية:

زيت الزيتون، زيت الذرة، زيت دوار الشمس، زيت الكانولا، زيت السمسم، زيت فول الصويا، زيت بذرة القطن، زيت النخيل، زيت جوز الهند.

الزيوت التجميلية والطبية:

زيت الزيتون، زيت جوز الهند، زيت السمسم، زيت الخروع، زيت الكتان، زيت اللوز، زيت الأرغان.

ربط الحبوب الزيتية بأهداف الاستراتيجية ربع القرنية

تسهم الحبوب الزيتية بشكل مباشر في تحقيق محاور الاستراتيجية ربع القرنية عبر:

· تعزيز الأمن الغذائي من خلال خفض فاتورة استيراد الزيوت بنسبة لا تقل عن 50% خلال خمس سنوات، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي في غضون عشر سنوات.

· تطوير الصناعة المحلية عبر إنشاء مجمعات صناعية متكاملة لعصر الزيوت وتكريرها وتعبئتها، وتحويلها إلى منتجات دوائية وتجميلية عالية القيمة.

· دعم التحول للطاقة المستدامة عبر إدماج الوقود الحيوي المنتج محلياً في مزيج الطاقة الوطني.

· تحقيق التنمية الريفية عبر ربط صغار المنتجين بسلاسل القيمة وتمكين المجتمعات الهشة اقتصادياً.

الأثر البيئي للزراعة المستدامة للحبوب الزيتية

تسهم زراعة الحبوب الزيتية وفق ممارسات الزراعة المستدامة في تحسين خصوبة التربة عبر إدخال محاصيل مثل الفول السوداني والسمسم في الدورات الزراعية التي تثبت النيتروجين وتقلل الحاجة للأسمدة الكيماوية. كما تؤدي زراعة الزيتون والجاتروفا في المناطق شبه الجافة إلى مكافحة التصحر وتثبيت التربة والحد من انجرافها. وتساهم نظم الري الحديثة والزراعة الدقيقة في ترشيد استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 40%. إضافة إلى ذلك، فإن التوسع في زراعة محاصيل متنوعة يعزز التنوع البيولوجي ويحمي النظم البيئية الزراعية من الانهيار.

التقانات الحديثة وتوطين الابتكار

يتطلب النهوض بقطاع الحبوب الزيتية توطين تقانات متقدمة تشمل أنظمة الاستخلاص البارد على البارد للحفاظ على الخواص الغذائية، وتقنيات التكرير الفيزيائي الخالي من المواد الكيميائية الضارة، وأتمتة خطوط الإنتاج لزيادة الكفاءة وتقليل الفاقد. كما تتيح الزراعة الدقيقة باستخدام الاستشعار عن بعد والطائرات بدون طيار ونظم المعلومات الجغرافية إمكانية مراقبة المحاصيل وتحديد احتياجاتها من المياه والأسمدة بدقة متناهية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين سلاسل التوريد والتنبؤ بالإنتاج والأسعار، ما يعزز تنافسية الزيوت السودانية في الأسواق العالمية.

نماذج الشراكات الاستراتيجية المقترحة

لضمان تنفيذ هذه الرؤية، يُقترح بناء الشراكات التالية:

· شراكات مع مستثمرين محليين في إنشاء مصانع عصر الزيوت وتكريرها وتعبئتها، في إطار نظام الحوافز المقيدة.

· شراكات مع شركات تصدير إقليمية ودولية لنفاذ الزيوت السودانية إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

· شراكات مع مؤسسات دولية متخصصة في الزيوت النباتية لنقل التقانات وتبادل الخبرات وتدريب الكوادر.

· شراكات مع مراكز البحوث الدولية مثل إيكاردا وسيغميت لتطوير أصناف محسنة مقاومة للإجهادات البيئية.

توصيات عملية لتنفيذ الرؤية وفق أولويات استراتيجية

الأولوية الأولى: البحث العلمي وتطوير الأصناف

· إعادة تأهيل مراكز البحوث الزراعية وتوجيهها لاستنباط أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للإجهادات البيئية.

· إنشاء بنك أصناف وطني للحبوب الزيتية.

· تطوير تقانات ري حديثة وزراعة دقيقة تتناسب مع الظروف المناخية المختلفة.

· الجهة المسؤولة: هيئة البحوث الزراعية، وزارة التعليم العالي، الجامعات.

· مؤشر الأداء: استنباط 3-5 أصناف جديدة عالية الإنتاجية خلال 3 سنوات.

الأولوية الثانية: التصنيع وربط القطاع الخاص

· إنشاء مناطق صناعية زراعية متكاملة بالقرب من مناطق الإنتاج الرئيسية.

· تقديم حوافز ضريبية وائتمانية للمستثمرين في صناعات عصر الزيوت وتكريرها وتصنيع مشتقاتها.

· إلزام المطاحن الكبرى بنسب تصاعدية لاستخدام الزيوت المحلية.

· الجهة المسؤولة: وزارة الصناعة، وزارة المالية، اتحاد أصحاب العمل.

· مؤشر الأداء: زيادة نسبة الزيوت المصنعة محلياً إلى 60% من الإنتاج الخام خلال 5 سنوات.

الأولوية الثالثة: التسويق وتسجيل المنتجات

· إنشاء مجلس ترويجي للزيوت السودانية بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.

· تسجيل الزيوت السودانية بمواصفات الجودة العالمية وشهادات المنشأ.

· تطوير علامات تجارية وطنية للزيوت ومنتجاتها.

· الجهة المسؤولة: وزارة التجارة، وزارة الخارجية، اتحاد المصدرين.

· مؤشر الأداء: تسجيل 3 منتجات زيوت سودانية في الأسواق الإقليمية والدولية خلال 4 سنوات.

الأولوية الرابعة: التوسع في الزراعة والإرشاد والتدريب

· تخصيص خطط تمويلية للمزارعين تشمل التقاوي المحسنة والمدخلات والتسويق المضمون.

· إنشاء حقول إرشادية نموذجية للزيتون والحبوب الزيتية في المناطق المستهدفة.

· برامج تدريبية للمزارعين في تقانات الإنتاج الحديثة والزراعة المستدامة.

· الجهة المسؤولة: وزارة الزراعة، بنك السودان، آليات التمويل الأصغر.

· مؤشر الأداء: زيادة المساحات المزروعة بالزيتون والحبوب الزيتية بنسبة 25% سنوياً.

إنشاء معهد أو قسم للحبوب الزيتية

مبررات التأسيس:

· اقتصادية واستراتيجية: تقليل الاستيراد، زيادة صادرات القيمة المضافة، دعم الصناعة المحلية، وتأمين موارد للوقود الحيوي.

· علمية وأكاديمية: دمج البحوث المتناثرة في مركز تخصصي، تطوير أصناف عالية الإنتاج والجودة.

· بيئية وصحية: إنتاج زيوت نباتية صحية، وتحقيق الزراعة المستدامة والتنوع البيولوجي.

· تنموية: ربط صغار المنتجين بالأسواق وتحسين سلاسل القيمة.

المقترحات:

· إنشاء قسم الحبوب الزيتية والمحاصيل الصناعية في كليات الزراعة.

· إنشاء معهد وطني لبحوث الزيوت النباتية والوقود الحيوي.

· تطوير شراكات مع الصناعة لإنشاء معامل متخصصة لاستخلاص الزيوت ودراسات الجودة.

· اعتماد شعار علمي: من البذرة إلى البرميل: نحو سيادة غذائية وطاقية بزيوت السودان.

الأطر الزمنية التنفيذية

المدى القصير (1-2 سنة):

· إدماج الحبوب الزيتية في الخطط التنفيذية للوزارات المعنية.

· بدء برامج تحسين الأصناف وتأهيل مراكز البحوث.

· إنشاء أول معمل نموذجي لاستخلاص الزيوت بالشراكة مع القطاع الخاص.

المدى المتوسط (3-5 سنوات):

· تحقيق 50% من الاكتفاء الذاتي من الزيوت النباتية.

· إنشاء المعهد القومي لبحوث الزيوت النباتية والوقود الحيوي.

· تسجيل أولى العلامات التجارية للزيوت السودانية دولياً.

المدى الطويل (6-10 سنوات):

· تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من الزيوت النباتية.

· تحول السودان إلى مركز إقليمي لتصدير الزيوت المصنعة ومشتقاتها.

· إدماج الوقود الحيوي كمصدر رئيسي في مزيج الطاقة الوطني.

السودان لا يفتقر إلى الموارد، بل إلى إرادة توظيفها في مسار استراتيجي واضح. الحبوب الزيتية ليست مجرد محصول تقليدي للتصدير الخام، بل بوابة العبور إلى سيادة غذائية وطاقية حقيقية. بامتلاك السودان أكثر من 25 صنفاً من الزيوت النباتية القابلة للإنتاج، وبخبرة فلاحية متراكمة، وأراض شاسعة، ومناخ متنوع، فإن تأهيله ليكون مركزاً إقليمياً لإنتاج الزيوت النباتية وصناعاتها التحويلية ليس حلماً بعيداً، بل خياراً استراتيجياً قابلاً للتنفيذ خلال عقد واحد. الرهان اليوم ليس على السفن القادمة بالمستورد، بل على بذرة تغرس في أرض السودان، تُعصر وتُكرر وتُصنع بأيدي سودانية، لتتحول إلى زيت يضيء البيوت والصناعات ومحركات الطاقة. فمن البذرة يبدأ الطريق، ومن البرميل تكتمل السيادة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى