مقالات

استراحة رمضانية : قراءة في “عقل الإله”

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

استراحة رمضانية

قراءة في “عقل الإله”

• في إحدى ليالي أربعينات القرن الماضي، خرج عالِمان من دار السينما بعد مشاهدة فيلم بعنوان: “ميت الليل”.

• كان الفيلم حكاية داخل حكاية، وحلماً داخل حلم، سلسلة لا نهائية من الأحلام المتداخلة في بعضها، بلا بداية واضحة ولا نهاية مؤكدة.

• وفي الطريق إلى المنزل خطر لهما سؤال بسيط وخطير في آن واحد:

ماذا لو كان الكون كذلك؟

• وماذا لو لم تكن له بداية أصلاً، وربما له آلية تمكنه من تجديد ذاته تلقائياً بصورة مستمرة؟

• العالمان كانا هيرمان بوندي وتوماس قولد.

• ومن تلك الليلة بدأت فكرة جريئة عُرفت لاحقاً باسم: نظرية الحال الثابت.

• كان العلماء قد اكتشفوا آنذاك أن الكون يتمدد، وأن المجرات تتباعد باستمرار نحو الخارج.

• السؤال كان: ماذا يعني هذا التمدد؟

• قال بوندي وقولد: لا شيء مقلق. الكون يتمدد… نعم، لكنه يعوّض نفسه في اللحظة ذاتها.

• كلما تمدد الكون وتوسع وابتعدت المجرات، تتكوّن مادة جديدة من العدم تلقائياً لتسد الثغرات التي تخلفها المادة المنطلقة.

• بذلك تبقى الصورة العامة كما هي، بحيث يبقى متوسط كثافة المادة في الكون ثابتاً، دون تغير يُذكر.

• الكون في هذه الحالة يشبه نهراً يبدو ثابتاً لمن ينظر إليه من بعيد، بينما مياهه تتجدد في كل لحظة.

• كانت فكرة مريحة: كونٌ لا بداية له… ولا حاجة للبحث عن لحظة أولى.

• ثم جاء زميلهما فريد هويل، وأعطاها دعماً رياضياً قوياً، فصارت النظرية نداً حقيقياً لمنافسها الصاعدآنذاك: نظرية الانفجار العظيم.

• تقول نظرية الانفجار العظيم إن تمدد الكون وتوسعه ناشئ عن انفجار لمادة الكون التي كانت منضغطة في حيز بالغ الضيق، ثم انفجرت في انفجار واحد عظيم.

• وأن مستقبل الكون من ناحية يتمثل في إمكانية توسعه وتمدده إلى ما لا نهاية، أو ارتداد مجراته نحو نقطة انطلاقتها الأولى، في انهيار كوني عظيم، يطوي صفحة الوجود.

• وفق نظرية الانفجار العظيم، لم يكن الكون نهراً أزلياً، بل لحظة واحدة مكثفة… ثم انطلاق.

• كل المكان، كل الزمان، كل المادة، كانت في حالة انضغاط هائل، ثم حدث الانفجار… وبدأ كل شيء.

• التمدد الذي نراه اليوم ليس تجديداً أزلياً، بل أثرٌ متبقٍ من تلك اللحظة الأولى.

• كيف حسم الأمر؟ العلم يحسم بالقياس.

• لو كان الكون في حالة ثابتة حقاً، فينبغي أن تكون كثافته واحدة في كل مكان وزمان.

• ولو كان قد بدأ بانفجار، فكلما نظرنا أبعد في الفضاء، رأينا كوناً مختلفاً.

• ثم جاءت المفاجأة عام 1965: اكتشاف إشعاع حراري خافت يملأ الكون كله، حرارة بالكاد تعلو فوق الصفر المطلق.

• أثرٌ باقٍ من نار قديمة.

• كانت تلك الضربة التي رجّحت كفة الانفجار العظيم، وأسدلت الستار على نظرية الحال الثابت.

• في رمضان، ونحن نتأمل سماءً تتمدد بصمت من على بروش الإفطار، يخبرنا العلم أن لهذا الامتداد بداية، وأن الكون لم يكن أزلياً كما ظن أنصار الحال الثابت.

• بل انطلق الكون من لحظة أولى ما زال أثرها يسري في الفضاء.

• وإذا كان لكل بداية إذنٌ خفي، فربما لا يكون السؤال الفيزيائي وحده كافياً.

• فالامتداد لا يفسر نفسه، والقانون لا يخلق ذاته.

• هناك دائماً ما يتجاوز المعادلة… دون أن ينقضها.

• لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي.

• الفيزيائي والفيلسوف بول ديفيز، في كتابه “عقل الإله”، لم يتوقف عند النتيجة العلمية، بل تجاوزها إلى السؤال الأعمق:

إذا كان للكون بداية، فما الذي أطلقها؟

• القوانين الفيزيائية لا تصلح جواباً، لأنها ظهرت مع الانفجار نفسه.

• والزمن لا يصلح تفسيراً، لأنه بدأ هناك.

• فهل كانت البداية حادثاً بلا علة؟ أم أن وراء الفيزياء… ما يتجاوزها؟

• وهنا يلتقي العلم بالتأمل: فإذا كان للكون بداية… فمن الذي منحها الإذن؟

رمضان كريم

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى