مقالات

السيادة الغذائية في السودان: من احتكار القمح إلى تنوع البدائل رؤية استراتيجية لإصلاح النمط الغذائي والاعتماد على الذات

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

السيادة الغذائية في السودان: من احتكار القمح إلى تنوع البدائل

رؤية استراتيجية لإصلاح النمط الغذائي والاعتماد على الذات

من أزمة التبعية إلى فرصة السيادة

شكّلت قضية القمح تحدياً بنيوياً للسودان، دولةً وشعباً. فالقمح، الذي لم يكن يوماً جزءاً من الموروث الغذائي التقليدي، أصبح اليوم العنصر المركزي في المائدة السودانية، بفعل سياسات غذائية عالمية، أبرزها ما أسماه بروفيسور محمد حسين أبو صالح بـ “استراتيجية القمح الأمريكية”، وهي خطة طويلة المدى هدفت إلى تحويل القمح إلى نمط غذائي عالمي لتكريس التبعية للدول المنتجة.

ملامح الاستراتيجية الأمريكية

· دعم ضخم للإنتاج المحلي الأمريكي لتوليد فوائض تصديرية بأسعار تنافسية.

· تحويل أنماط الغذاء في الدول الفقيرة من الحبوب المحلية إلى القمح.

· توظيف المعونات الغذائية (مثل Food for Peace) كأداة نفوذ سياسي.

· هيمنة الشركات الأمريكية على سلاسل التوريد والبذور والأسمدة.

· ربط الأمن الغذائي العالمي بالدولار عبر التسعير العالمي للقمح.

هكذا، انزلق السودان تدريجياً إلى نمط غذائي مستورد، رغم خصوبته وقدرته على الاكتفاء، فأُفرغت السيادة الغذائية من مضمونها، ورُبط رغيف الخبز بتقلبات العملة وسلاسل الإمداد العابرة للحدود.

منذ منتصف القرن العشرين، اتبعت السودان سياسات غذائية جعلتها أسيرة لواردات القمح، متجاهلة تنوعها الزراعي الفريد وقدرتها على إنتاج سلة غذائية متوازنة. لكن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، والتغيرات المناخية المتسارعة، كلها عوامل تفرض إعادة تقييم جذرية لهذا النموذج المستورد، والانتقال من إدارة الأزمات إلى الإدارة الاستباقية للموارد.

أولاً: القمح – ضرورة استراتيجية وإنتاج وطني

1. تجربة الشمال: نموذج واعد للتحول

في ولايات دنقلا ومروي والولاية الشمالية، نجحت زراعة القمح صيفاً، مثبتةً إمكانية كسر الموسم الواحد والانتقال إلى دورتين إنتاجيتين سنوياً. هذه التجربة الرائدة تمثل أفضل ممارسة (Best Practice) قابلة للتوسع، وتستحق التوثيق والتبني من هيئة البحوث الزراعية كمنصة لتطوير أصناف مقاومة للحرارة وقليلة الاستهلاك المائي.

2. رؤية بروفيسور أبو صالح: القمح كقضية سيادة

دعا أبو صالح إلى جعل القمح محصولاً قومياً دائماً، عبر:

· توطين التقانات في الشمال وتوسيعها إلى الجزيرة والسوكي والرهد.

· تطوير ري تكاملي بالطاقة الشمسية لخفض التكاليف.

· إنشاء محفظة قمح وطنية للتمويل والتخزين والتسويق.

· ربط زراعة القمح بالسيادة الغذائية كخيار استراتيجي لا بديل عنه.

3. القيمة الغذائية للقمح:

يعد القمح مصدراً رئيسياً للطاقة، إذ يحتوي على نسبة عالية من الكربوهيدرات المركبة التي تمد الجسم بطاقة تدريجية. كما أنه غني بالبروتين النباتي (جلوتين) الضروري لبناء الأنسجة، ويحتوي على فيتامينات B1 وB3 الضرورية لصحة الجهاز العصبي والتمثيل الغذائي، ومعادن مثل الحديد والزنك والمغنيسيوم. إلا أن محتواه العالي من الجلوتين يجعله غير مناسب لمرضى حساسية القمح أو الداء البطني (Celiac Disease).

4. التحديات المزمنة: تشخيص واقعي وفق تحليل PESTLE:

· سياسياً: غياب الإرادة المستدامة، وتقلب السياسات الزراعية بين المواسم.

· اقتصادياً: ارتفاع تكلفة الإنتاج محلياً مقارنة بالأسعار العالمية المدعومة، وتبعية المدخلات لسعر الصرف.

· اجتماعياً: ترسخ نمط استهلاك الخبز الأبيض كثقافة يومية يصعب تغييرها.

· تقنياً: ضعف الإرشاد الزراعي، وشح التمويل البحثي، وهشاشة أنظمة التخزين.

· قانونياً: غياب تشريعات تحمي المنتج المحلي وتنظم سلسلة القيمة.

· بيئياً: ندرة المياه وتأثيرات التغير المناخي على المواسم التقليدية.

5. حلول من التجارب الدولية وفق تحليل المقارنة المرجعية (Benchmarking):

· مصر: توطين القمح في أراضٍ جديدة (توشكى، شرق العوينات) بدعم رئاسي مباشر، وتطوير نظام الصوامع الاستراتيجية.

· الهند: تطوير أصناف مقاومة للحرارة والرطوبة بالبحث العلمي، وبناء مخزون استراتيجي ضخم.

· أستراليا: إدارة ذكية للموارد المائية بالري المتطور والطاقة المتجددة، وتطبيق نظم الإنذار المبكر للجفاف.

· تركيا: دمج صغار المزارعين في سلاسل القيمة بضمان الشراء الحكومي، ودعم المدخلات مباشرة.

ثانياً: تنويع البدائل – إدارة استراتيجية للمخاطر الغذائية

السيادة الغذائية لا تقوم على محصول واحد، بل على محفظة غذائية متنوعة (Diversified Food Portfolio). طرح البدائل لا يعني التخلي عن القمح، بل تحصين النظام الغذائي ضد صدمات المناخ والأسواق العالمية، وفق مبدأ إدارة المخاطر الزراعية (Agricultural Risk Management).

1. الشعير: البديل الاستراتيجي الأول

القيمة الغذائية:

يعد الشعير من أكثر الحبوب الغنية بالألياف الغذائية، خاصة ألياف بيتا-غلوكان (β-Glucan) التي أثبتت الدراسات قدرتها على خفض الكوليسترول الضار بنسبة تصل إلى 10%، وتنظيم مستويات السكر في الدم، مما يجعله مثالياً لمرضى السكري وأصحاب الأمراض المزمنة. يحتوي الشعير على بروتين أقل جلوتيناً من القمح، مما يجعله أخف هضماً ومناسباً للفئات التي تعاني من حساسية الجلوتين. كما أنه غني بالمعادن الهامة: الفسفور، الماغنيسيوم، الزنك، والسيلينيوم، إضافة إلى فيتامينات B1، B6، وE. يتميز بمؤشر سكر منخفض (Low Glycemic Index) يمنح طاقة تدريجية دون تقلبات حادة.

الميزة التنافسية:

يتفوق الشعير على القمح في قدرته على النمو في الأراضي الهامشية وقليلة الخصوبة، واستهلاكه المائي أقل بنسبة 30%، كما أنه يصلح للدورات الزراعية المكملة للقمح. تجربته في الأطعمة متعددة: الخبز، الشوربات، العصيدة، والمخبوزات الريفية، ما يجعله مؤهلاً للاندماج الفوري في برامج التغذية المدرسية والمستشفيات.

2. الذرة الرفيعة: الغذاء التاريخي والبديل السيادي

القيمة الغذائية:

تشكل الذرة الرفيعة (البيضاء والحمراء) الغذاء التقليدي لأغلب سكان السودان، وتستخدم في إعداد الكسرة والعصيدة. تحتوي على سعرات حرارية عالية، وألياف غذائية جيدة، وبروتين نباتي متوسط الجودة، إضافة إلى مضادات أكسدة مهمة. هي خالية من الجلوتين تماماً، مما يجعلها بديلاً آمناً لمرضى حساسية القمح. غنية بالحديد والمغنيسيوم والفوسفور، وتساعد في الوقاية من فقر الدم وهشاشة العظام.

الميزة التنافسية:

تتميز الذرة بقدرتها الفائقة على مقاومة الجفاف، وتكيفها مع التربة الفقيرة، وانخفاض تكلفة إنتاجها مقارنة بالقمح. تمتلك سلسلة قيمة محلية قائمة (مزارعون – مطاحن – مستهلكون)، وجاهزة للانتشار الفوري. قابلة للخلط مع دقيق القمح بنسب مدروسة تصل إلى 30% دون تأثير كبير على الجودة أو الطعم.

3. الدخن: خيار المناخات القاسية والفئات الهشة

القيمة الغذائية:

يعد الدخن من أكثر الحبوب الغنية بالحديد، إذ تحتوي مئة غرام منه على ضعف كمية الحديد الموجودة في القمح، مما يجعله غذاءً مثالياً للوقاية من فقر الدم. وهو خالٍ تماماً من الجلوتين، غني بالألياف القابلة للذوبان، ومنخفض المؤشر السكري، ما يجعله مناسباً لمرضى السكري والذين يتبعون أنظمة غذائية صحية. يحتوي على نسبة عالية من المغنيسيوم والمنغنيز والفوسفور، إضافة إلى مضادات أكسدة قوية تحمي الخلايا من التلف.

الميزة التنافسية:

الدخن محصول مقاوم للحرارة والجفاف بامتياز، يزرع في غرب السودان والأرياف دون حاجة لري كثيف. يمكن طحنه وإعداده كعصيدة أو خبز، كما يصلح للصناعات التحويلية كأغذية الأطفال والوجبات الخفيفة. يمثل فرصة مثالية لتمكين المجتمعات الهشة اقتصادياً، وربطها بسلاسل قيمة وطنية.

4. الأرز: الخيار الحضري الواعد

القيمة الغذائية:

يشكل الأرز مصدراً رئيسياً للطاقة لاحتوائه على كربوهيدرات سهلة الهضم، ويحتوي على بروتين نباتي خالٍ من الجلوتين، ما يجعله خياراً آمناً لمرضى الحساسية. الأرز البني (غير المقشور) غني بالألياف وفيتامينات B والحديد والزنك، كما أنه منخفض الصوديوم والدهون، مما يجعله مناسباً لمرضى الضغط والقلب.

الميزة التنافسية:

نجحت زراعة الأرز تجريبياً في القضارف وبعض المشاريع النيلية، وهو مقبول شعبياً خاصة في المراكز الحضرية. يمكن التوسع في زراعته في البيئات الرطبة ومناطق حصاد المياه، مع تطوير أصناف محلية قصيرة العمر ومنخفضة الاستهلاك المائي.

5. الكسافا (البفرة): خيار المستقبل للتصنيع الغذائي

القيمة الغذائية:

تعتبر الكسافا مصدراً غنياً بالكربوهيدرات سهلة الهضم، وتحتوي على نسبة معقولة من الألياف وفيتامين C والكالسيوم والفوسفور. خالية من الجلوتين، ويمكن تحويلها إلى دقيق عالي الجودة يخلط مع دقيق القمح.

الميزة التنافسية:

نجحت تجربة نيجيريا في دمج دقيق الكسافا بنسبة 20% في المخابز التجارية، مما خفض فاتورة استيراد القمح بشكل كبير. الكسافا محصول يتحمل الجفاف وينمو في الأراضي الفقيرة، ويمكن حصاده على مدار العام. يمثل فرصة واعدة للسودان في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية.

ثالثاً: إدارة التحول – آليات تنفيذية وتخطيط استراتيجي متقدم

1. تحليل القوى المؤثرة (Force Field Analysis):

· القوى الدافعة: تنامي الوعي بأهمية السيادة الغذائية، ارتفاع فاتورة الاستيراد، نجاح تجارب القمح الصيفي والبدائل، دعم النخب الأكاديمية، توفر الأراضي والمياه.

· القوى المعوقة: ثبات النمط الاستهلاكي، غياب سياسات تحفيزية، ضعف التنسيق المؤسسي، شح التمويل، هشاشة البنية التخزينية.

2. السياسات الزراعية المتكاملة:

· اعتماد حوكمة مرنة للموارد المائية تقوم على التوزيع العادل، التخزين الفاعل، والترشيد الذكي.

· تطوير نظام تخطيط زراعي تنبؤي (Predictive Agricultural Planning) يعتمد على البيانات الضخمة والذكاء المناخي.

· إنشاء مرصد وطني للأمن الغذائي يتابع المؤشرات الآتية: المساحات المزروعة، الإنتاجية، المخزون الاستراتيجي، الأسعار المحلية والعالمية.

3. السياسات السعرية والتمويلية:

· سعر تأشيري مجزٍ (Indicative Price) يُعلن قبل الموسم بستة أشهر، لضمان استقرار توقعات المنتجين.

· محفظة قمح وطنية برأسمال 500 مليون دولار، بشراكة البنك المركزي، البنوك الزراعية، وشركات التمويل الإسلامي.

· تمويل عيني بالمدخلات (تقاوي، أسمدة، طاقة) بعقود إنتاج واضحة تضمن التسويق النهائي.

4. سلاسل القيمة والتصنيع:

· تطوير بنية تخزينية حديثة بصوامع استراتيجية في المواقع الإنتاجية الرئيسية (دنقلا، مروي، الجزيرة، القضارف).

· ربط المطاحن الكبرى بالمزارعين مباشرة عبر عقود توريد طويلة الأجل لإزالة الوسطاء.

· إنشاء بورصة زراعية إلكترونية للتسعير الشفاف للحبوب، مرتبطة بالأسواق الإقليمية والعالمية.

5. البحث والتطوير وتوطين التقانات:

· برنامج وطني لاستنباط أصناف القمح مقاومة للحرارة وقليلة الاحتياج المائي، بالشراكة مع المراكز الدولية (ICARDA، CIMMYT).

· توطين صناعة التقاوي والأسمدة والمبيدات بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث، بهدف خفض فاتورة الاستيراد بنسبة 50% خلال خمس سنوات.

· نشر تقنيات الري الذكي والطاقة الشمسية عبر خدمة إرشادية رقمية شاملة (تطبيقات ذكية، خرائط حرارية، إنذار مبكر).

6. السياسات الغذائية والثقافة المجتمعية:

· إلزام المخابز الحكومية والخاصة بنسب تصاعدية للخبز المخلوط (20% ذرة/شعير في السنة الأولى، ترتفع إلى 40% في السنة الخامسة).

· إدراج الحبوب المحلية في الوجبات المدرسية والجامعية والمستشفيات وفق عقود توريد مضمونة للمزارعين.

· إطلاق حملة إعلامية وطنية طموحة للترويج للغذاء المحلي بشعارات محفزة: “فخر السودان من أرض السودان”، “صحتنا في غذائنا”، “سيادتنا تبدأ من مائدتنا”.

· تطوير منتجات مبتكرة من الحبوب المحلية (مخبوزات فاخرة، وجبات سريعة، أغذية أطفال، مشروبات طاقة) بالشراكة مع كليات السياحة والطهي.

7. الحوكمة والشراكات:

· تأسيس مجلس قومي للقمح والحبوب برئاسة وزارة الزراعة، وعضوية: البحوث، التمويل، الصناعة، التجارة، اتحادات المزارعين، غرف الصناعات الغذائية.

· تعزيز اللامركزية الزراعية بتمويل مباشر للولايات المنتجة، وحوافز ضريبية للمزارعين والمستثمرين.

· شراكة مع القطاع الخاص في الاستثمار الزراعي الموجه للإنتاج لا التصدير الخام، وفق نظام الحوافز المقيدة.

8. التكامل الإقليمي:

· الاستفادة من التجارب الناجحة إقليمياً عبر زيارات ميدانية وتبادل خبرات مع مصر، إثيوبيا، نيجيريا، وتركيا.

· تبادل التقانات والأصناف مع الدول ذات الظروف المماثلة عبر اتفاقيات بحثية مشتركة.

· توحيد المواصفات القياسية للحبوب مع الأسواق المستهدفة (الكوميسا، الإيغاد، دول الخليج) لتسهيل النفاذ للتصدير مستقبلاً.

من التبعية إلى التنوع

تقوم الرؤية الاستراتيجية المقترحة على سبعة محاور متكاملة، تعمل معاً لتحقيق التحول المنشود:

المحور الأول: القمح – تحقيق اكتفاء ذاتي مستدام

يهدف إلى تحويل السودان من مستورد إلى منتج مكتفٍ ذاتياً، بل ومصدر في الأمد المتوسط. وتعتمد أدواته على التوسع الأفقي والرأسي، دعم البحث العلمي، توفير تمويل زراعي مستقر ومحفز، وتطوير نظم التخزين والتسويق.

المحور الثاني: الشعير – بديل صحي واستراتيجي

يستهدف ترسيخ الشعير كخيار غذائي متفوق صحياً، خاصة لمرضى السكري وحساسية الجلوتين. أدواته: تطوير أصناف عالية الإنتاجية، دمج منتجاته في التغذية المؤسسية، حملات توعية مجتمعية واسعة.

المحور الثالث: الذرة – العودة للغذاء التاريخي

يسعى لاستعادة مكانة الذرة الرفيعة كمحصول وطني استراتيجي، عبر دعم زراعتها وحماية أسعارها، تشجيع الخبز المخلوط، إحياء ثقافة الكسرة والعصيدة في المؤسسات العامة.

المحور الرابع: الدخن – غذاء الفئات الهشة

يستهدف الدخن كخيار مثالي للمناطق الأكثر هشاشة مناخياً، لا سيما غرب السودان. أدواته: التوسع بزراعته بدعم فني وتمويلي، تطوير صناعات تحويلية محلية صغيرة، إدراجه في برامج التغذية العلاجية والمدرسية.

المحور الخامس: الأرز – خيار حضري واعد

يهدف لتحويل الأرز من محصول تجريبي إلى خيار استراتيجي في المناطق الرطبة ومناطق حصاد المياه. أدواته: تطوير أصناف محلية عالية الإنتاجية، التوسع في مشاريع نموذجية، تسويقه كبديل صحي في المراكز الحضرية.

المحور السادس: الكسافا – خيار المستقبل للتصنيع

يستهدف إدخال الكسافا كمحصول استراتيجي في المناطق الاستوائية، بالاستفادة من التجربة النيجيرية. أدواته: تجارب بحثية مكثفة، تطوير خطوط إنتاج لدقيق الكسافا، دمجه في الخبز المخلوط.

المحور السابع: السياسات الداعمة والحوكمة

يضم الحزمة الأفقية من السياسات التمكينية: التمويل، التسعير، التشريع، التخزين، التسويق، والشراكات الوطنية والدولية.

هذه المحاور السبعة ليست بدائل بعضها، بل جناحان متكاملان لمنظومة غذائية وطنية رشيدة، تنتصر للواقعية وتحترم الذوق المجتمعي وتضع الكرامة الوطنية في قلب كل وجبة.

السيادة لا تُستورد، تُزرع

السودان لا يعاني من شح الموارد، بل من غياب إرادة التخطيط والتنفيذ المتكامل. القمح ليس أزمة إنتاج، بل أزمة قرار وهيكلة. والبدائل ليست تهديداً للعادة، بل تحصين للمستقبل. التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي حققت سيادتها الغذائية لم تفعل ذلك بانتظار السفن، بل بتوطين التقانات، وحماية المنتج المحلي، وبناء مخزون استراتيجي، والأهم: بإعادة تعريف علاقة المواطن بطعامه.

السيادة الغذائية لا تُشترى بالدولار، بل تُزرع وتُبنى محلياً، بدءاً من المزرعة، مروراً بالتخزين والتحويل الصناعي، وانتهاءً بالمائدة.

إنها قرار يبدأ اليوم: إما أن نظل ننتظر السفن، أو نصنع رغيفنا بأيدينا من أرضنا. إما أن نظل أسرى لاستراتيجية القمح الأمريكية، أو نبني استراتيجيتنا الوطنية للحبوب والبدائل. إما أن نظل مستهلكين، أو نتحول إلى منتجين.

السيادة الغذائية ليست حلماً بعيداً، بل خيار يومي يُزرع ويُحصد على أرض السودان.

فخبزنا من قمحنا، وغذاؤنا من تنوع أرضنا، وسيادتنا تبدأ من مائدتنا.

الإهداء

قبل أن نختم، اسمحوا لي أن أرفع تحية إجلال لأمي الحنينة، آمنة يوسف عمر إبراهيم، التي كانت لي سنداً وأملاً، وتحملت معنا، إلى جانب والدي المربي الجليل، عبء الحياة بحكمة وتخطيط وتربية رشيدة. أسأل الله أن يجزيها عن سهرها وتعبها خير الجزاء، وأن يرحم والدي ويجعل مثواه الجنة.

“ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً.”

قد نحترق، وقد نحرم من وثائقنا ودفاترنا، لكن لا تُحرق الذاكرة، ولا يضيع العلم الصادق، ولا يذهب جهد الأوفياء هباءً. فكم من فكرة انبعثت من رماد، وكم من رؤية وُلدت من شظايا المعاناة، وما زال فينا الأمل أن يكون ما تعلمناه زاداً للأجيال القادمة.

هذا العمل ثمرة جيل من الصبر والعلم والتضحية، أقدمه لكل من آمن بأن السودان يستحق أكثر مما يعطي، وبأن أرضه قادرة على أن تمنحه الخبز والكرامة.

فخبزنا من قمحنا، وغذاؤنا من تنوع أرضنا، وسيادتنا تبدأ من مائدتنا.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى