
تأملات رمضانية: رحلة في فهم الظاهر والجوهر
• يُحكى أن عالم الرياضيات الفرنسي بيير سيمون لابلاس أهدى مجموعة أعماله عن نظام الكون وقوانينه إلى الإمبراطور نابليون بونابرت.
• فأسرّ أحد أفراد الحاشية لنابليون بأن المجموعة لا يذكر فيها اسم الله، فسأله: أين مكان الله وإرادته في هذا النظام؟
• فأجابه لابلاس: سيدي، لم أكن بحاجة إلى ذكر تلك الفرضية هنا.
• لم يكن لابلاس منكراً لوجود الله، لكنه كان مؤمناً بما عُرف بمبدأ الحتمية العلمية، أو ما اشتهر لاحقاً بـ”شيطان لابلاس”.
• وهي الفكرة التي ترى أن الكون يسير وفق قوانين دقيقة وثابتة، مثل قوانين الحركة التي صاغها إسحاق نيوتن.
• فلو وُجد عقلٌ يعرف مواقع الأجسام كلها (الشمس والقمر والكواكب مثلاً) وسرعاتها في لحظة معينة، لأمكنه حساب الماضي والمستقبل بدقة كاملة.
• فمعرفة موضع القمر وسرعته، مثلاً، تمكّن من التنبؤ بحركته ورؤية الهلال.
• في هذا التصور بدا الكون كأنه آلة رياضية مكتملة، يحكمها قانون صارم لا يترك مجالاً للصدفة.
• هذا التصور يقابله في التراث الإسلامي مذهب الجبرية، الذي نُسب إلى الجهم بن صفوان، حيث يرى أن الفعل الإنساني يبدو اختيارياً في الظاهر، لكنه في جوهره خاضع للإرادة الالهبة المطلقة.
• غير أن لابلاس استبدل الإرادة بالقوانين، فجعل جوهر الانتظام الكوني رياضياً لا لاهوتياً.
• وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما نراه يحدث، يحدث بذاته، أم أنه جزء من نظام أعمق يحكمه؟
• ظل هذا التصور الحتمي مهيمناً حتى نهاية القرن التاسع عشر، ثم جاء القرن العشرون بمفاجأته الكبرى: ميكانيكا الكم.
• حيث أظهرت تجارب الذرة أن الجسيمات الدقيقة، مثل الإلكترونات، لا يمكن تحديد موقعها وسرعتها معاً بدقة كاملة.
• فكلما ازداد ضبط أحدهما ازداد الآخر غموضاً. ولم تعد حركة الإلكترون مساراً ثابتاً حول نواة الذرة كما كان متصوراً، بل أصبح فهمها قائماً على الاحتمال لا اليقين.
• إذ لا يمكن التنبؤ بحركنها او موقعها بدقة تامة، وإنما تُحسب درجة احتمال حدوثها. ومن هذا الفهم نشأ ما يُعرف بمبدأ اللاحتمية.
• هذا المبدأ لم يقتنع به الجميع؛ فقد أصرّ ألبرت أينشتاين على أن وراء الظواهر نظاماً أعمق، وأن عجزنا عن القياس لا يعني غياب الانتظام.
• ومن هنا يبرز سؤال آخر: إذا استند بعضهم إلى اللاحتمية لفتح باب الحرية والاحتمال، فلماذا لا يُستند إلى انتظام الأجسام الكبيرة للدلالة على السببية والنظام؟
• لعل النظريتين تمثلان مرحلتين في فهم الانسان للطبيعة، وأن لكلٍ مجاله وحدوده.
• أما الانتقاء بينهما لخدمة موقف فلسفي مسبق، فقد يوقع في الخلط بين الوصف العلمي للظواهر، والتفسير الفلسفي لمعناها.
• خلاصة الأمر أن الإشكال ليس في الحتمية ولا في اللاحتمية، بل في ادعاء أيٍّ منهما امتلاك الصورة الكاملة.
• فالمسألة إذن ليست صراعاً بين عقلٍ يثق بالقانون وقلبٍ يفتش عن المعنى، بل قلبٌ واحد يسعى إلى رؤية المشهد كله.
• العلم يجيب عن: كيف تسير الأشياء؟ والإيمان يتأمل في لماذا تسير على هذا النحو؟
• وسؤال “كيف” وسؤال “لماذا” لا يتعارضان بل يكمل أحدهما الآخر.
• ولذا فإن ما نراه بأعيننا ليس ضد ما نؤمن به في داخلنا، وأن الحقيقة ليست طريقاً واحداً، بل رؤية تتسع كلما ازداد فهمنا.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتقديري العميق.





