مقالات

تأملات رمضانية: رحلة في فهم الظاهر والجوهر

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

تأملات رمضانية: رحلة في فهم الظاهر والجوهر

• يُحكى أن عالم الرياضيات الفرنسي بيير سيمون لابلاس أهدى مجموعة أعماله عن نظام الكون وقوانينه إلى الإمبراطور نابليون بونابرت.

• فأسرّ أحد أفراد الحاشية لنابليون بأن المجموعة لا يذكر فيها اسم الله، فسأله: أين مكان الله وإرادته في هذا النظام؟

• فأجابه لابلاس: سيدي، لم أكن بحاجة إلى ذكر تلك الفرضية هنا.

• لم يكن لابلاس منكراً لوجود الله، لكنه كان مؤمناً بما عُرف بمبدأ الحتمية العلمية، أو ما اشتهر لاحقاً بـ”شيطان لابلاس”.

• وهي الفكرة التي ترى أن الكون يسير وفق قوانين دقيقة وثابتة، مثل قوانين الحركة التي صاغها إسحاق نيوتن.

• فلو وُجد عقلٌ يعرف مواقع الأجسام كلها (الشمس والقمر والكواكب مثلاً) وسرعاتها في لحظة معينة، لأمكنه حساب الماضي والمستقبل بدقة كاملة.

• فمعرفة موضع القمر وسرعته، مثلاً، تمكّن من التنبؤ بحركته ورؤية الهلال.

• في هذا التصور بدا الكون كأنه آلة رياضية مكتملة، يحكمها قانون صارم لا يترك مجالاً للصدفة.

• هذا التصور يقابله في التراث الإسلامي مذهب الجبرية، الذي نُسب إلى الجهم بن صفوان، حيث يرى أن الفعل الإنساني يبدو اختيارياً في الظاهر، لكنه في جوهره خاضع للإرادة الالهبة المطلقة.

• غير أن لابلاس استبدل الإرادة بالقوانين، فجعل جوهر الانتظام الكوني رياضياً لا لاهوتياً.

• وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما نراه يحدث، يحدث بذاته، أم أنه جزء من نظام أعمق يحكمه؟

• ظل هذا التصور الحتمي مهيمناً حتى نهاية القرن التاسع عشر، ثم جاء القرن العشرون بمفاجأته الكبرى: ميكانيكا الكم.

• حيث أظهرت تجارب الذرة أن الجسيمات الدقيقة، مثل الإلكترونات، لا يمكن تحديد موقعها وسرعتها معاً بدقة كاملة.

• فكلما ازداد ضبط أحدهما ازداد الآخر غموضاً. ولم تعد حركة الإلكترون مساراً ثابتاً حول نواة الذرة كما كان متصوراً، بل أصبح فهمها قائماً على الاحتمال لا اليقين.

• إذ لا يمكن التنبؤ بحركنها او موقعها بدقة تامة، وإنما تُحسب درجة احتمال حدوثها. ومن هذا الفهم نشأ ما يُعرف بمبدأ اللاحتمية.

• هذا المبدأ لم يقتنع به الجميع؛ فقد أصرّ ألبرت أينشتاين على أن وراء الظواهر نظاماً أعمق، وأن عجزنا عن القياس لا يعني غياب الانتظام.

• ومن هنا يبرز سؤال آخر: إذا استند بعضهم إلى اللاحتمية لفتح باب الحرية والاحتمال، فلماذا لا يُستند إلى انتظام الأجسام الكبيرة للدلالة على السببية والنظام؟

• لعل النظريتين تمثلان مرحلتين في فهم الانسان للطبيعة، وأن لكلٍ مجاله وحدوده.

• أما الانتقاء بينهما لخدمة موقف فلسفي مسبق، فقد يوقع في الخلط بين الوصف العلمي للظواهر، والتفسير الفلسفي لمعناها.

• خلاصة الأمر أن الإشكال ليس في الحتمية ولا في اللاحتمية، بل في ادعاء أيٍّ منهما امتلاك الصورة الكاملة.

• فالمسألة إذن ليست صراعاً بين عقلٍ يثق بالقانون وقلبٍ يفتش عن المعنى، بل قلبٌ واحد يسعى إلى رؤية المشهد كله.

• العلم يجيب عن: كيف تسير الأشياء؟ والإيمان يتأمل في لماذا تسير على هذا النحو؟

• وسؤال “كيف” وسؤال “لماذا” لا يتعارضان بل يكمل أحدهما الآخر.

• ولذا فإن ما نراه بأعيننا ليس ضد ما نؤمن به في داخلنا، وأن الحقيقة ليست طريقاً واحداً، بل رؤية تتسع كلما ازداد فهمنا.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى