مقالات

التمر والبلح: صناعة غذائية واستراتيجية مستدامة

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

التمر والبلح: صناعة غذائية واستراتيجية مستدامة

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا أفطر أحدكم فليفطر على رطبات فإنهن بركات فإن لم يكن فعلى تمر فإنهن بركات، فإن لم يكن فعلى الماء فإنه طهور

رواه الترمذي وصححه الألباني

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر

رواه البخاري ومسلم

يمثل التمر والبلح غذاءً إنسانياً متكاملاً ورمزاً تاريخياً للحضارات، إذ يمتد أثرهما على الصحة والتغذية والاقتصاد والموروث الثقافي. عادة ما يُعرف البلح بالثمرة الطازجة التي لم تصل إلى مرحلة النضج الكامل، بينما التمر هو الثمرة المجففة بعد اكتمال النضج، وهو الأكثر انتشاراً في الاستهلاك اليومي وفي الصناعات الغذائية. هذه الثمرة المباركة تعد مصدراً للطاقة والعناصر الغذائية الضرورية، وتشكل مكوناً أساسياً في الاقتصاد الغذائي والزراعة المستدامة على مستوى العالم. تشير المصادر التاريخية إلى أن زراعة التمر بدأت في بلاد ما بين النهرين (العراق) في وقت مبكر يعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد، ثم انتشرت في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، ولعب اتساع مجال الحضارة العربية الإسلامية دوراً رئيسياً في نشر زراعة نخيل التمور في جنوب آسيا وجنوب أوروبا .

صناعة التمور واستخداماتها المتنوعة

تعتمد صناعة التمور على سلسلة متكاملة تشمل الزراعة، الحصاد، التجفيف، التعبئة، التخزين، والتصنيع الغذائي. يستخدم التمر في صورته التقليدية كثمار طازجة أو مجففة، كما يحول إلى منتجات غذائية متعددة تشمل العجوة، الحلويات، العصائر الطبيعية، والمشروبات الطاقية. ويدخل التمر في الصناعات التحويلية لإنتاج مستخلصات طبيعية، وشراب الطاقة، ومنتجات الألياف الغذائية، ومستحضرات التجميل.

كما يمكن التوسع في استخلاص الزيت الحيوي من نواة التمر، والذي يعرف بأنه زيت مستخرج من لب النواة بعد عصرها ويتميز بقيمة غذائية عالية، ويستخدم في الصناعات الغذائية والطبية ومستحضرات التجميل. يحتوي هذا الزيت على الأحماض الدهنية الأساسية مثل أوميغا 6 وأوميغا 9، ومضادات الأكسدة، وفيتامين E، ويُعد مصدراً للطاقة ويدعم الصحة العامة، كما يعزز صحة القلب، ويحسن مرونة الجلد، ويسهم في مكافحة الالتهابات. وتحتوي بعض أصناف التمور على فيتامين سي بكميات صغيرة نسبياً ولكنها أعلى من تلك الموجودة في الفواكه المجففة مثل المشمش والتين والزبيب، كما يوجد فيتامين أ بكميات متوسطة وفيتامين ك في بعض الأصناف .

ويتيح الابتكار في التصنيع والتقنيات الحديثة إمكانية إنتاج زيت نواة التمر بطرق الاستخلاص البارد للحفاظ على خواصه الغذائية والطبيعية، والتكرير الفيزيائي الخالي من المواد الكيميائية الضارة. كما يمكن تطوير منتجات مشتقة مبتكرة تشمل كريمات ومستحضرات تجميل طبيعية، أغذية وظيفية، ومكمّلات غذائية، وحتى الوقود الحيوي المستدام. يتيح هذا الاستخدام المتنوع للزيت الحيوي تحويل نواة التمر، التي غالباً ما تُهدر، إلى مصدر اقتصادي واستراتيجي مستدام، مع تعزيز القيمة المضافة وزيادة فرص التسويق محلياً ودولياً.

الإنتاج العالمي للتمور

بلغ إجمالي الإنتاج العالمي للتمور 9.66 ملايين طن في عام 2023، ويتجاوز 9.7 ملايين طن سنوياً خلال 2024-2025 . وقُدّر حجم سوق التمور العالمي بـ 31.03 مليار دولار عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو من 32.70 مليار دولار عام 2025 إلى 49.14 مليار دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 5.99%، وتهيمن منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا على سوق التمور بحصة سوقية بلغت 85.24% عام 2024 .

تتصدر عدة دول الإنتاج العالمي للتمور وفق إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) والتقديرات الحديثة لعام 2025 :

· مصر: 1.87 مليون طن سنوياً، تمثل نحو 19-20% من الإنتاج العالمي.

· السعودية: 1.65 مليون طن سنوياً.

· الجزائر: 1.28 مليون طن سنوياً.

· إيران: 1.08 مليون طن سنوياً.

· العراق: 740 ألف طن سنوياً.

· باكستان: 760 ألف طن سنوياً.

· السودان: 460 ألف طن سنوياً، بزيادة قدرها 3.9% سنوياً.

· الإمارات: 415 ألف طن سنوياً.

· عمان: 395 ألف طن سنوياً.

· تونس: 386 ألف طن سنوياً.

يمتلك السودان أكثر من 18 مليون نخلة مصنفة، وأبرز الأصناف الجافة القندلية، التمودا، والبركاوى، بينما تشمل التمور الرطبة أصنافاً مثل العنبرة، والخلاص، والسكرى. ويعتمد نحو 90% من سكان الولاية الشمالية في معيشتهم على تجارة التمور واستهلاكها غذاءً رئيسياً، ويصدر السودان نحو 5% من إنتاجه من التمور، بينما يُستهلك الباقي محلياً

الفوائد الغذائية للتمور

تتكون التركيبة الغذائية لثمار التمر بشكل أساسي من الكربوهيدرات التي تتراوح من 40 إلى أكثر من 80% من الوزن الجاف بحسب الصنف، وتتركب أساساً من السكريات المختزلة كالجلوكوز والفركتوز والمانوز والمالتوز، والسكريات غير المختزلة كالسكروز. تعتبر التمور مصدراً غنياً بالألياف الغذائية التي تتراوح من 2 إلى 8%، وتتكون من كسور ألياف عالية الجودة مثل بيتا جلوكان وأرابينوكسيلان والسليلوز، مما يوفر مصدراً ممتازاً للألياف الغذائية أفضل حتى من الحبوب .

تحتوي التمور على كميات ممتازة من العناصر الغذائية الدقيقة، بما في ذلك فيتامينات ب المركبة، وفيتامين ج، وفيتامين هـ، وفيتامين أ، وفيتامين ك، والمعادن مثل البوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم والحديد والفوسفور والنحاس. يمثل البوتاسيوم العنصر الأكثر وفرة، وتحتوي بعض أصناف التمور على كمية من البوتاسيوم أعلى مرتين ونصف من الموز. كما تحتوي التمور على كميات منخفضة للغاية من الدهون أقل من 1%، ومن البروتينات التي تتراوح نسبتها من 1.7 إلى 4.7%، وهي تركيزات أعلى من تلك الموجودة في الفواكه الأخرى .

تساهم التمور في تعزيز الطاقة، تحسين الهضم وصحة الجهاز الهضمي، دعم صحة القلب، تنظيم ضغط الدم، وتقوية المناعة. كما تمتلك التمور إمكانات غذائية ودوائية عالية بفضل احتوائها على المركبات الكيميائية النباتية مثل الأحماض الفينولية والعفص والفلافونويد والفيتوستيرول والكاروتينات، مما يعزز الأنشطة المضادة للميكروبات والقدرات المضادة للأكسدة .

الاستخدامات الأخرى للنخيل

إلى جانب الثمرة، يوفر النخيل موارد متعددة تشمل الأوراق المستخدمة في بناء المساكن التقليدية والحبال والسلال، والجذوع في مواد البناء والزينة، والنواة لاستخلاص الزيت الحيوي وإنتاج الأعلاف وتحويلها إلى منتجات طاقية مستدامة. هذا التنوع في الاستخدامات يجعل النخيل مورداً زراعياً متكاملاً يمكن أن يدعم الاقتصاد المحلي والتطوير الصناعي.

الزيت الحيوي من نواة التمر: ابتكارات وتطبيقات رائدة

تشكل نوى التمر مورداً متجدداً غير مستغل، وتمثل الابتكارات الحديثة في استخلاص الزيت الحيوي منها نقلة نوعية في تعظيم القيمة المضافة لصناعة التمور. توصلت دراسة علمية في جامعة البحرين إلى إمكانية استخلاص زيت الوقود الحيوي من نواة التمر بنسبة تصل إلى 10%، ثم تحويله بعد المعالجة الكيميائية إلى ديزل حيوي، كما يستخلص منه مادة الجلسرين الطبيعية المستخدمة في صناعة مستحضرات التجميل. وتقديرياً، يبلغ إنتاج النخيل في البحرين من البذور نحو 2070 طن سنوياً، تتراوح نسبة الزيت الناتج منها 8% بإنتاج يصل إلى 156.7 طن تقريباً، وتقدر الإنتاجية السنوية من زيت الديزل الحيوي بـ 35293.5 جالون بنسبة 70%، بالإضافة إلى 11.5 طن من الجلسرين. وتسهم المواد الصلبة المتبقية من عملية التحويل في إنتاج أعلاف حيوانية غنية بالبروتين والألياف .

في السعودية، قاد الباحث محمد أمان الله في أرامكو السعودية ابتكاراً رائداً لاستخدام نوى التمر كمادة ليفية سادة لمنع فقدان سوائل الحفر (طين الحفر) في آبار النفط والغاز، تحت اسم سدادة آرك. أثبتت الأبحاث عدم وجود تفاوت كبير بين جميع أنواع نوى التمور من حيث الخصائص الميكانيكية، وحل هذا المنتج محل سدادة قشور الجوز المستوردة من الولايات المتحدة، مما ساهم في توطين سلسلة التوريد، تقليل المخلفات، والحد من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالنقل الدولي. حاز هذا الابتكار على جائزة الابتكار التقني للعام في حفل توزيع جوائز النفط والغاز في الشرق الأوسط عام 2017 .

في سلطنة عمان، نجحت جامعة السلطان قابوس في إنتاج ديزل حيوي من زيت نوى التمر باستخدام محفز كيميائي مبتكر قابل لإعادة التدوير، وتمكنت من تسيير أول حافلة تعمل بالديزل المدمج مع الوقود الحيوي المستخرج من نوى التمر (B20)، وهو إنجاز يعد الأول من نوعه في المنطقة. أثبتت التحاليل التي أجريت في مختبرات جامعة السلطان قابوس ومختبرات كلية لندن الجامعية (UCL) جودة المنتج وتقليله للانبعاثات الملوثة للبيئة. حصل الفريق البحثي على تمويل من شركة تنمية نفط عمان لإنتاج أول 100 لتر من الديزل الحيوي، وإجراء تجارب إضافية لإنتاج منتجات ثانوية عالية القيمة مثل الجليسيرول المستخدم في الصناعات، والسولكيتال المستخدم كمحفز للوقود ووقود الطائرات .

كما تمكنت الخريجتان العمانيتان تسنيم الداودية وسلمى السديرية من تحويل مشروع تخرجهما في الهندسة الكيميائية إلى مشروع وطني رائد لإنتاج سائل الحفر للآبار النفطية المستخرج من نواة التمر، بدعم من شركة محمد البرواني لخدمات النفط وشركة تنمية نفط عمان وجامعة السلطان قابوس. حصل المشروع على براءة اختراع عام 2019، وأحرز المركز الثالث والميدالية البرونزية في المعرض الدولي للابتكار بالقاهرة، والمركز الأول والميدالية الذهبية مع مرتبة الشرف على مستوى براءة الاختراع الخليجي في الكويت، والميدالية الذهبية كأفضل مشروع بيئي على مستوى العالم في المعرض العالمي للابتكار بجنيف، والميدالية الذهبية مع مرتبة الشرف كأفضل مشروع في مجال اختراعات الشباب على مستوى العالم في ألمانيا من بين 40 دولة و700 اختراع .

الفوائد الاقتصادية المباشرة للتمور والزيت الحيوي

يسهم تطوير صناعة التمور والزيت الحيوي في تحسين دخل المزارعين بشكل ملموس عبر عدة مسارات. أولاً، رفع القيمة المضافة للثمرة من خلال تصنيعها وتحويلها إلى منتجات غذائية وصحية وتجميلية عالية الجودة بدلاً من بيعها خاماً. ثانياً، استغلال نوى التمر التي كانت تعد نفايات وتتحول اليوم إلى مصدر دخل إضافي عبر استخلاص الزيوت الحيوية ومشتقاتها. ثالثاً، فتح أسواق تصديرية جديدة للمنتجات المصنعة محلياً بمواصفات عالمية تنافسية.

على المستوى العالمي، بلغت صادرات السعودية من التمور عام 2024 نحو 1.695 مليار ريال (451.7 مليون دولار)، بارتفاع في قيمتها بنسبة 15.9% مقارنة بعام 2023، وبنسبة نمو تراكمي 192.5% منذ عام 2016، ووصلت إلى 133 دولة حول العالم . كما بلغت صادرات العراق من التمور أكثر من 730 ألف طن عام 2024 . هذه الأرقام تعكس الإمكانات التصديرية الهائلة للدول المنتجة، وتؤكد أهمية الاستثمار في الجودة والتصنيع والتسويق الدولي.

توصيات لتطوير صناعة التمور والنخيل

تحقيق الاستفادة القصوى من النخيل والتمور يتطلب دمج السياسات الزراعية والصناعية، وتشمل التوصيات:

تحسين الإنتاج الزراعي عبر تطوير أصناف مقاومة للظروف المناخية وتتمتع بإنتاجية أعلى، والاستفادة من التقنيات الحديثة كالزراعة النسيجية التي أدخلتها العراق لأول مرة في خطتها الخمسية لزيادة أعداد النخيل إلى 30 مليون نخلة.

تطبيق تقنيات حديثة للتجفيف، التخزين، والتعبئة لتقليل الفاقد وزيادة جودة المنتج.

تطوير الصناعات التحويلية لإنتاج العصائر، العجوة، منتجات غذائية جاهزة، مستخلصات طبيعية، والزيت الحيوي من النواة، والاستفادة من التجارب الرائدة في السعودية والبحرين وعمان في استخلاص الزيوت الحيوية ومشتقاتها لإنتاج الديزل الحيوي والجلسرين وسوائل الحفر النفطية.

دعم التعاون بين القطاعين العام والخاص وربط البحث العلمي بسلاسل الإنتاج، وتشجيع الابتكارات الوطنية وتحويل مشاريع التخرج والأبحاث الجامعية إلى مشاريع إنتاجية، على غرار النماذج الناجحة في الجامعات العمانية والسعودية والبحرينية.

فتح أسواق تصديرية جديدة وترخيص علامات تجارية وطنية للتمور وزيوتها ومنتجاتها الثانوية، والاستفادة من النمو المتوقع لسوق التمور العالمي الذي يتجاوز 49 مليار دولار بحلول 2032.

تطوير برامج تدريبية للمزارعين في تقنيات الزراعة الحديثة والري الدقيق.

إدماج التمور والنخيل في السياسات الغذائية والطاقة الوطنية لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، والاستفادة من الوقود الحيوي المنتج محلياً في تحقيق الحياد الصفري الكربوني وأهداف الطاقة المتجددة.

التمر والبلح ليسا مجرد محصول تقليدي، بل يمثلان بوابة لتحقيق سيادة غذائية واقتصادية مستدامة. الاستثمار في الصناعة الحديثة، الزراعة الدقيقة، والتقنيات المتقدمة يتيح تحويل هذه الثروة الطبيعية إلى صناعة استراتيجية ذات قيمة مضافة عالية، تخلق فرص عمل وتدعم الأمن الغذائي والطاقة المستدامة. وتؤكد التجارب الرائدة في السعودية والبحرين وعمان أن نواة التمر التي كانت تعد نفايات يمكن أن تتحول إلى زيت حيوي يضيء البيوت ويشغل محركات الحافلات ويدعم صناعة النفط ويصدر للعالم، وتتحول الفتيات العمانيات إلى مبتكرات عالميات تفوز مشاريعهن بالجوائز الذهبية في المحافل الدولية. ويصبح النخيل رمزاً للتنمية المستدامة، يبدأ الطريق من البذرة وصولاً إلى المنتج النهائي، لتكتمل السيادة الغذائية والاقتصادية. هذا المنهج يعكس رؤية استراتيجية شاملة تربط بين الإنتاج الزراعي، الصناعات الغذائية والتحويلية، والتسويق المحلي والدولي بما يخدم التنمية الوطنية المستدامة ويحقق مردوداً اقتصادياً واجتماعياً ملموساً.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى