مقالات

منهج التنمية المتكاملة: تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة – صناعة السكر في السودان نموذجًا

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

منهج التنمية المتكاملة: تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة – صناعة السكر في السودان نموذجًا

تمثل التنمية المتكاملة أحد أكثر المفاهيم رسوخًا في أدبيات الاقتصاد التنموي المعاصر، إذ تقوم على تجاوز المقاربات القطاعية المجزأة، والانتقال نحو ربط الموارد الطبيعية بسلاسل قيمة إنتاجية متكاملة تشمل الزراعة، والصناعة، والطاقة، والتشغيل، وبناء المعرفة. في هذا الإطار، تبرز صناعة السكر في السودان نموذجًا تطبيقيًا فريدًا لكيفية تحويل مورد طبيعي أولي – قصب السكر – إلى منظومة قيمة مضافة متعددة الأبعاد، أسهمت في دعم الاقتصاد الوطني، وتنمية الريف، وبناء القدرات البشرية، وتوطين التكنولوجيا.

لا تنبع أهمية هذه التجربة من الحجم فحسب – إذ يُعد السودان من أكبر منتجي السكر في أفريقيا والعالم العربي – بل من المنهج التنموي الذي تأسست عليه، والذي جمع بين التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، والشراكات الذكية، والربط العضوي بين البحث العلمي والإنتاج، وبين الجدوى الاقتصادية والأثر الاجتماعي. وعليه، فإن تحليل صناعة السكر في السودان يهدف إلى استخلاص نموذج تنموي قابل للاستلهام، يمكن تعميمه على قطاعات زراعية أخرى تعاني من فجوات الإنتاجية والتسويق والتطبيق.

تقوم هذه الرؤية على نظريتي سلسلة القيمة المتكاملة والاقتصاد الدائري، اللتين تحولان المنتج الخام عبر مراحل متعددة لتعظيم القيمة، مع تقليل الهدر والاستفادة القصوى من الموارد والمخلفات. ووفقًا لتقارير البنك الدولي ومنظمة الفاو، فإن المشاريع التي تتبنى هذا المنهج المتكامل تحقق زيادة في الإنتاجية تصل إلى 40%، وتقلل الفاقد من الموارد بنسبة تصل إلى 30%، مقارنة بالنماذج الإنتاجية الأحادية.

ركائز النجاح في نموذج صناعة السكر

تقدم تجربة صناعة السكر في السودان، وخاصةً نموذج “سكر كنانة” – الذي يُعد أحد أكبر مشاريع السكر المتكاملة في العالم – دراسة حالة غنية عن كيفية تحقيق التنمية المتكاملة عبر ثلاث ركائز أساسية.

الركيزة الأولى هي الشراكة الذكية والحوكمة الرشيدة. لم تكن “كنانة” مشروعًا حكوميًا خالصًا أو خاصًا خالصًا، بل قامت على شراكة ثلاثية متوازنة: 40% ملكية لحكومة السودان لتمثيل الدور الاستراتيجي والتنظيمي، و40% ملكية لمستثمرين عرب عبر صناديق التنمية العربية لتوفير رأس المال والخبرة، و20% ملكية للقطاع الخاص والجمهور السوداني لتعزيز الملكية المحلية. هذا النموذج، المطابق لمبادئ الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كسر الثنائية التقليدية وكان السبب الرئيسي في جذب استثمارات تجاوزت 1.8 مليار دولار للمشروع، مع ضمان استقرار سياسي وإداري وفق تقارير المنظمة العربية للتنمية الزراعية.

الركيزة الثانية هي الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي. اعتمدت إدارة المشروع على هيكل مؤسسي واضح ومعايير عالمية للمحاسبة والشفافية، وتخطيط طويل الأمد مع أهداف إنتاجية محددة، والربط بين الأداء والمحفزات. هذا الجمع بين الكفاءة التشغيلية والفعالية الاستراتيجية خلق بيئة جاذبة للكفاءات وخفض نسبة هدر الموارد إلى أقل من 5% في عمليات التصنيع.

الركيزة الثالثة هي ربط البحث العلمي بسلسلة الإنتاج. كان البحث العلمي محركًا للإنتاجية عبر مراكز بحوث مدمجة طورت أصناف قصب محسنة ترفع إنتاجية الفدان بأكثر من 25%، وتعاون مع الجامعات السودانية والعالمية، ونقل وتوطين للتكنولوجيا رفع المكون المحلي في العمليات إلى أكثر من 70%.

خلق القيمة المضافة: من السكر إلى المنصة الصناعية المتكاملة

هنا يتجلى جوهر المنهج المتكامل. فلم يقتصر الهدف على إنتاج السكر (بإنتاجية بلغت 350,000 طن سنويًا في ذروة الأداء)، بل تم تصميم المنظومة لتعظيم العائد من كل المدخلات. فبالإضافة إلى تحقيق اكتفاء ذاتي يتجاوز 120% في أوقات الذروة، تم تحويل المخلفات إلى مصادر قيمة. فمخلفات العصر (البقاس) استُخدمت في توليد الطاقة الكهربائية لتوفير 30% من احتياجات المصنع، كما أُنتج الإيثانول كمصدر للوقود الحيوي بطاقة تصل إلى 65,000 لتر يوميًا. واستُخدمت المخلفات النباتية الأخرى في صناعة أعلاف حيوانية منخفضة التكلفة. هذا التحول جعل من “كنانة” منصة صناعية دائرية، حيث يُعاد استخدام حوالي 95% من مخلفات العملية الإنتاجية، محققًا عائدًا اقتصاديًا إضافيًا يقدر بنسبة 30-40% من إجمالي عائدات المشروع.

تعميم النموذج: من قصب السكر إلى سلاسل القيمة الزراعية الأخرى

يكمن جوهر الاستفادة من نموذج صناعة السكر في تكييف إطاره المتكامل مع الخصائص الفريدة للمحاصيل الإستراتيجية الأخرى. فكما حوّل القصب إلى سكر وطاقة وأعلاف، يمكن لمنهجية مماثلة أن تحول القطن إلى سلسلة صناعية متكاملة تشمل الغزل والنسيج وصناعة الملابس الجاهزة، إلى جانب استخلاص زيت بذرة القطن للاستهلاك البشري، وتحويل الكِسْلة ومخلفات النبات إلى علف حيواني أو أسمدة عضوية. وينطبق ذات المنطق على الصمغ العربي من خلال تطوير صناعات الأدوية والمستحضرات الغذائية والكيميائية المتقدمة، وعلى الحبوب الزيتية عبر إنشاء مصافٍ متطورة للزيوت وصناعات الصابون والمواد الأولية الصناعية. هذا التحول من النموذج الأحادي إلى نموذج المنصة الصناعية المتعددة المنتجات هو الكفيل بتحقيق التعظيم المستدام للقيمة المضافة.

توصيات لتعميم النموذج

لتعميم هذا النموذج الناجح على قطاعات أخرى مثل القطن والصمغ العربي والحبوب الزيتية، يمكن اتباع عدد من التوصيات العملية:

أولاً، إعادة هندسة الحوكمة من خلال إنشاء هيئات مستقلة لإدارة سلاسل القيمة الزراعية تجمع بين ممثلي الدولة والمستثمرين والمزارعين والباحثين.

ثانيًا، التحول من دعم المدخلات إلى الاستثمار في البنية التحتية التحويلية مثل مراكز التجميع والطرق الزراعية ووحدات التبريد، مما يقلل الفاقد الذي قد يصل إلى 40% في بعض المحاصيل.

ثالثًا، ربط مراكز البحث بالحقل والمصنع إلزاميًا، وتخصيص نسبة 2-3% من عائدات المشاريع الزراعية الصناعية للبحث والتطوير.

رابعًا، تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بإنشاء مناطق صناعية زراعية متخصصة.

وأخيرًا، توثيق ونشر نماذج النجاح القابلة للقياس من خلال دراسات حالة مفصلة.

إن صناعة السكر في السودان، وحين تُقرأ عبر عدسة التنمية المتكاملة، تؤكد أن تحويل الموارد إلى ثروة ليس مسألة موارد وافرة فقط، بل هو مسألة إرادة سياسية، ورؤية استراتيجية، ومنهجية إدارة علمية. لقد أثبتت “كنانة” أن النجاح ممكن وقابل للتكرار. المستقبل يُطالبنا باستلهام روح منهجها: الشراكة المتوازنة، الإدارة الكفؤة، الربط الوثيق بين المعرفة والإنتاج، والسعي الدؤوب لتعظيم القيمة من كل الموارد. بهذا فقط يمكن تحويل القطاع الزراعي إلى ركيزة لصناعة وطنية متينة، تقود تنمية شاملة ومستدامة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى