الحزام الأخضر الأفريقي: من الجغرافيا إلى استراتيجية التنمية والسلام
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

الحزام الأخضر الأفريقي: من الجغرافيا إلى استراتيجية التنمية والسلام
من الدفاع البيئي إلى البناء الحضاري
يُخطئ من يختزل المشاريع البيئية الكبرى – وفي مقدمتها مبادرة الحزام الأخضر الأفريقي – في كونها أدوات لمكافحة التصحر أو الاستجابة للتغير المناخي فحسب. فهذه المبادرات، حين تُقرأ بعين الدولة لا بعين المشروع، وضمن إطار استراتيجي مؤسسي طويل الأجل، تتحول من تدخلات بيئية محدودة الأثر إلى منصات تنموية سيادية، تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالأرض، والدولة بالمجتمع، وتُسهم في إنتاج سلام مستدام قائم على العدالة الاقتصادية والإدماج المؤسسي.
في إطار رؤية شاملة تسترشد بتجارب دولية ناجحة، تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق الرؤية الطموحة المتمثلة في استعادة 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وعزل 250 مليون طن من الكربون، وخلق 10 ملايين فرصة عمل خضراء بحلول عام 2030. ولتحقيق تنمية متوازنة تعيد تعريف علاقة الإنسان بالأرض، تُقدم هذه الوثيقة نموذجًا تنفيذيًا يربط بين الإدارة والسيادية، والتمويل المبتكر، وبناء القدرات، وحوكمة فعالة لتحويل التحديات إلى فرصة تاريخية.
الإطار العام: الأهداف والمؤشرات الشاملة للقياس والتقويم
ترتكز الرؤية على أهداف إستراتيجية ومؤشرات قياس أداء (KPIs) متكاملة، تجمع بين الكمي والنوعي، للرصد والتقييم الشامل. وتتمثل هذه الأهداف فيما يلي:
الهدف الاقتصادي: خلق فرص عمل مستدامة وتعزيز الإنتاجية والاستثمار
· المؤشرات الكمية المستهدفة:
· المرحلة القصيرة (0-3 سنوات): إنشاء 50,000 فرصة عمل موسمية ومباشرة في المشاريع النموذجية.
· المرحلة المتوسطة (3-7 سنوات): إطلاق 300,000 فرصة عمل في سلاسل القيمة الزراعية والتصنيعية.
· المرحلة الطويلة (7-20 سنة): تحقيق الهدف القومي بـ 10 ملايين فرصة عمل خضراء، ورفع القيمة المضافة للمحاصيل المحلية بنسبة 40%.
· المؤشرات النوعية التكميلية:
· مؤشر تنويع سبل العيش: نسبة الأسر المعتمدة على أكثر من مصدر دخل واحد داخل نطاق الحزام.
· مؤشر جاذبية الاستثمار: حجم وتنوع الاستثمارات الخاصة الموجهة للمشاريع الخضراء في المناطق المستهدفة.
· مؤشر قوة التعاونيات: قدرة التعاونيات المحلية على التفاوض الجماعي، والوصول للأسواق، والابتكار في المنتجات.
الهدف الاجتماعي: تعزيز الاستقرار المجتمعي ووقف النزوح وبناء السلام
· المؤشرات الكمية المستهدفة:
· المرحلة القصيرة: تدريب 5,000 شاب وامرأة على مهارات الزراعة الذكية وريادة الأعمال الخضراء.
· المرحلة المتوسطة: خفض معدلات النزوح الداخلي في ولايات الحزام بنسبة 15% من خلال توفير سبل العيش.
· المرحلة الطويلة: تأسيس 500 تعاونية محلية قوية تملك وتدير أصول الإنتاج.
· المؤشرات النوعية التكميلية:
· مؤشر التماسك الاجتماعي: قياس مستوى الثقة والتعاون بين المجموعات المجتمعية المختلفة داخل القرى والمناطق عبر استبيانات دورية.
· مؤشر رضا المجتمع المحلي: تقييم درجة اقتناع ورضا السكان المحليين عن إدارة المشروع وتوزيع منافعه، ومدى مشاركتهم الفعلية في صنع القرار.
· مؤشر بناء السلام: عدد ونوعية المبادرات أو الاتفاقيات المحلية الطوعية التي تنشأ بين المجتمعات لإدارة الموارد المشتركة (الماء، المراعي) بطريقة سلمية.
الهدف البيئي: استعادة النظم الإيكولوجية وضمان الإدارة المستدامة
· المؤشرات الكمية المستهدفة:
· المرحلة القصيرة: استعادة 2 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة في المناطق النموذجية.
· المرحلة المتوسطة: استصلاح 20 مليون هكتار على الصعيد الوطني، وزيادة نسبة الغطاء النباتي في مناطق المشروع بنسبة 25%.
· المرحلة الطويلة: تحقيق هدف 100 مليون هكتار مستصلحة، وعزل 250 مليون طن من الكربون.
· المؤشرات النوعية التكميلية:
· مؤشر جودة التربة: تتبع تحسن مؤشرات خصوبة التربة (المحتوى العضوي، القدرة على الاحتفاظ بالمياه) في مناطق المشروع.
· مؤشر التنوع البيولوجي: رصد عودة وتنوع الأنواع النباتية المحلية والحياة البرية (الطيور، الحشرات الملقحة) في الموائل المستعادة.
· مؤشر مرونة النظام الإيكولوجي: قدرة المنطقة المعاد تأهيلها على تحمل الصدمات المناخية مثل الجفاف أو الأمطار الغزيرة.
حيث يعبر الحزام الأخضر نطاقًا جغرافيًا هشًا يمتد من دارفور غربًا إلى القضارف شرقًا – وهي مناطق راكمت تاريخًا طويلًا من التهميش والصراع وضعف الاندماج الاقتصادي – تبرز فرصة نادرة لإعادة تعريف الحزام الأخضر بوصفه ممرًا تنمويًا متعدد الوظائف، لا مجرد مشروع تشجير. ممر يجمع بين الإنتاج الزراعي عالي القيمة، وبناء سلاسل القيمة المحلية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحويل الأرض من ساحة تنازع صفري إلى مورد إنتاجي مشترك يُدار بالحكم الرشيد.
من مشروع بيئي إلى منصة تنموية سيادية
لم يعد من المقبول استراتيجيًا النظر إلى الحزام الأخضر كمشروع بيئي تقني معزول، بل ينبغي فهمه كإطار وطني دائم لإدارة الموارد والتنمية وبناء السلام. فالمقاربة التقليدية، التي تحصره في زراعة الأشجار لمقاومة زحف الصحراء، تُهدر إمكاناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. أما المقاربة الاستراتيجية المتكاملة، فتنظر إليه كبنية تحتية تنموية ذكية تُدمج بين إدارة الموارد الطبيعية، والتنمية الاقتصادية المحلية، وبناء السلام الاجتماعي، والتكامل الإقليمي.
نجاحات محلية ودروس إقليمية تؤكد الجدوى
تُشكّل التجارب الميدانية الناجحة، محليًا وإقليميًا، دليلًا عمليًا على إمكانية تحويل النظريات إلى واقع ملموس.
تجارب محلية: ففي مناطق جبل مرة ووسط السودان، أثبتت زراعة أنواع من فواكه البحر الأبيض المتوسط (كالتين والزيتون) تأقلمها الملحوظ مع البيئة المحلية. لم يُسفر هذا المشروع عن مجرد إنتاج زراعي جديد فحسب، بل أحدث تحولاً اجتماعياً واقتصادياً ملموساً: خلق فرص عمل، وتوفير مصدر دخل عالي القيمة، وترسيخ ثقافة التعاون في إدارة الموارد الجديدة.
دروس إقليمية: تكتمل الصورة بالنظر إلى تجارب ناجحة لدول شقيقة على طول الحزام الأفريقي. في النيجر، حقق المزارعون نجاحًا ملحوظًا باستعادة 1.2 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة عبر تقنيات محلية بسيطة وفعالة مثل حماية الشتلات الطبيعية النامية (تقنية “المقاومة الطبيعية”). وفي إثيوبيا، أدى تنفيذ مشاريع الحزام إلى إنتاج 5.5 مليار شتلة واستصلاح ملايين الهكتارات، مع تحسن ملموس في منسوب المياه الجوفية. أما في بوركينا فاسو، فقد تم استصلاح 835,000 هكتار عبر إحياء تقنية الزراعة التقليدية “زاي” لحفظ المياه، مما وفر حلاً قويًا للتكيف مع الجفاف.
هذه النماذج المتنوعة تقدم برهاناً عملياً على أن المشاريع الزراعية الإيكولوجية، حين تُصمم وتُدار بطريقة استراتيجية تراعي الظروف المحلية، وتدمج المجتمعات في قلب العملية، وتبني على المعرفة المحلية، يمكن أن تحقق نجاحاً اقتصادياً واجتماعياً متوازناً، وتكون نواة حقيقية للتنمية الشاملة والسلام المستدام. كما تُظهر هذه التجارب أن النجاح لا يعتمد فقط على الاستثمارات الضخمة، بل بشكل أساسي على تبني نهج تشاركي ذكي يضمن الاستدامة والاستمرارية.
ثانيًا: النموذج المؤسسي – حوكمة سيادية وتنفيذ احترافي وبناء القدرات
تُظهر تجارب التنمية المقارنة أن فجوة التنفيذ لا تُعالج بالنوايا أو المشاريع الجزئية، بل ببناء نموذج مؤسسي يجمع بين الرعاية السيادية والتنفيذ الاحترافي وبناء القدرات البشرية المستدامة.
1. الجهة الراعية السيادية: المجلس القومي للحزام الأخضر والتنمية الريفية المستدامة
· يُنشأ بقانون خاص، ويرأسه تمثيل سيادي رفيع، ويضم الوزارات المعنية، والولايات، والجامعات، وممثلي المجتمعات المحلية.
· اختصاصاته: رسم السياسات، إقرار التشريعات التمكينية، التنسيق الوطني والإقليمي، والإشراف على الأداء الكلي ومراجعة تقارير المؤشرات النوعية والكمية.
1. الذراع التنفيذي: شركة الحزام الأخضر السودانية القابضة (SPV)
· آلية التنسيق: تتلقى الشركة القابضة السياسات والموجهات الاستراتيجية من المجلس القومي. وتقوم بدورها بتفويض المهام والموازنات وتقييم الأداء للشركات التابعة المتخصصة، مع تقديم تقارير دورية عن المؤشرات المالية والتشغيلية والنوعية للمجلس. هذا الفصل بين التخطيط الاستراتيجي (المجلس) والتنفيذ العملياتي (SPV) يضمن الكفاءة والمساءلة.
· بملكية مختلطة (حصة ذهبية للدولة)، تتولى إدارة المحفظة الاستثمارية، وتأسيس الشركات التابعة، وإدارة شراكات القطاعين العام والخاص.
1. الشركات التابعة المتخصصة
(الزراعة المتكاملة، التصنيع الزراعي، الطاقة الخضراء، التسويق، الخدمات المجتمعية وبناء السلام).
1. برنامج وطني لبناء القدرات البشرية وضمان الاستدامة
· ة: شراكة مع الجامعات السودانية والدولية لتقديم برامج دبلوم وبكالوريوس في “إدارة المشاريع الخضراء” و”الزراعة التكيفية”.
· مراكز التميز المهني: إنشاء مراكز تدريب في الولايات تقوم بتأهيل الكوادر المحلية (شباب، نساء، قادة مجتمعيين) على المهارات العملية: تشغيل أنظمة الري الذكية، الصيانة الأساسية للألواح الشمسية، إدارة التعاونيات، مراقبة الجودة.
· حاضنات الأعمال الخضراء: تخصيص حصة من تمويل المشروع لدعم وتوجيه الأفكار الريادية الشبابية المبنية على منتجات الحزام (التصنيع الغذائي، السياحة البيئية، الاقتصاد الدائري).
ثالثًا: الآليات التمكينية – التمويل، المعرفة، والتكنولوجيا
تمويل مبتكر:
· المؤشر المستهدف: حشد 50% من إجمالي الاستثمارات من شراكات القطاع العام والخاص (PPP) وصكوك الخضراء الدولية بحلول نهاية المرحلة الثانية.
· الآلية: إنشاء “صندوق ضمان مخاطر” بشراكة حكومية-بنكية لتشجيع الاستثمار الخاص في المناطق الهشة.
معرفة وتكنولوجيا:
· المؤشر المستهدف: توظيف نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد في إدارة 80% من مشاريع المرحلة المتوسطة.
· الآلية: إطلاق “المنصة الوطنية للبيانات الخضراء” لرصد التقدم في استصلاح الأراضي وإدارة المياه ومراقبة المؤشرات النوعية للتنوع الحيوي وجودة التربة.
حوكمة وشفافية:
· المؤشر المستهدف: نشر تقارير الأداء والمالية نصف السنوية بشكل علني وإلكتروني، تتضمن تحليلاً للمؤشرات النوعية للتماسك الاجتماعي ورضا المجتمع.
· الآلية: إلزام جميع الشركات التابعة بمعايير التقارير الدولية ومراجعة خارجية مستقلة.
رابعًا: خطة التنفيذ المرحلية
المرحلة الأولى (0–3 سنوات): التأسيس وبناء النماذج
· الإطار القانوني والمؤسسي: إصدار قانون المجلس القومي وتأسيس الشركة القابضة.
· المشاريع النموذجية: تنفيذ 3-5 مشاريع متكاملة (تشجير، زراعة ذكية، طاقة شمسية، تعاونيات) في ولايات مختارة، مع بدء رصد المؤشرات النوعية الأساسية (جودة التربة، رضا مجتمعي أولي).
المرحلة الثانية (3–7 سنوات): التوسع والتشغيل
· التوسع الجغرافي: تعميم النماذج الناجحة على 70% من ولايات الحزام.
· التصنيع الزراعي: تشغيل أولى وحدات التصنيع الخفيف للمنتجات ذات القيمة المضافة.
· اختراق الأسواق: إطلاق العلامة التجارية “منتجات الحزام الأخضر السوداني”.
· الرصد المتقدم: تفعيل نظام رصد المؤشرات النوعية بشكل منهجي (التنوع البيولوجي، التماسك الاجتماعي) في جميع المناطق الجديدة.
المرحلة الثالثة (7–20 سنة): التعميم والريادة الإقليمية
· التعميم الوطني: تحقيق أهداف 2030 الكمية، وتثبيت تحسن المؤشرات النوعية كنمط دائم.
· التكامل الإقليمي: تحويل السودان إلى مركز إقليمي للاقتصاد الأخضر وجسر ربط بين المبادرات الأفريقية، وعرض نموذجه في ربط المؤشرات الكمية بالنوعية كأفضل ممارسة.
توصيات :
1. تشريع سيادي خاص بالحزام الأخضر يمنح النموذج المؤسسي المذكور الصلاحيات والاستدامة المالية، ويُلزم برصد وتقييم المؤشرات النوعية المذكورة.
2. إطلاق أدوات التمويل المبتكر (صكوك خضراء، PPP) فوراً، مع ربط جزء من الحوافز بتحقيق مؤشرات نوعية مثل تماسك المجتمع وجودة النظام البيئي.
3. إلزامية الشراكة البحثية بين الشركات التابعة والمراكز البحثية لتطوير أدوات قياس المؤشرات النوعية المحلية.
4. ربط التمويل الدولي والدعم الفني ببرامج بناء السلام من خلال العمل التعاوني على الأرض، وتقييم فاعليته عبر مؤشرات التماسك الاجتماعي ورضا المجتمع.
5. التطبيق الصارم لأعلى معايير الشفافية والمحاسبة، والإفصاح العلني عن نتائج جميع المؤشرات، الكمية والنوعية.
6. توظيف الحزام كجسر تكامل إقليمي للسلام والتنمية المستدامة عبر الحدود، وعرض بياناته النوعية كنموذج لإثبات أثر التنمية المتكاملة.
نحو إحياء حضاري متكامل
الحزام الأخضر، في صيغته المؤسسية والقياسية المتكاملة، لم يعد مشروع أشجار كمي فحسب، بل أصبح مشروع دولة يرصد أثره على كرامة الإنسان وجودة الأرض. إنه تحول من منطق الدفاع ضد التصحر إلى منطق الهجوم لبناء المستقبل؛ حيث تتحول التنمية إلى أداة فاعلة لصنع السلام، ويصبح السلام ذاته ثمرة طبيعية للإنتاج والعدالة والاستقرار. نجاح هذا النموذج يُقاس بعدد الأشجار والأسر المستقرة، وبدرجة تماسك المجتمع وتحسن بيئته التي يعيش فيها.







