مقالات

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

ملك الانسانية: حين تصبح القيادة فلسفة والشرطة رسالة

ليست كل الافعال القيادية قابلة للفهم بمنطق الاجراء، ولا كل القرارات العامة يمكن وزنها بميزان الهيكل الاداري وحده. فهناك لحظات يتقدم فيها المعنى على النص، وتعلو فيها القيمة على اللائحة، ويصبح الفعل اختبارا اخلاقيا عميقا قبل ان يكون ممارسة وظيفية. في مثل هذه اللحظات، تتجلى القيادة في انقى صورها، لا كسلطة، بل كوعي.

من هذا المدخل يمكن قراءة المشهد الذي كرم فيه الفريق اول حقوقي امير عبد المنعم، مدير عام الشرطة، العميد شرطة (م) لطف الله احمد عفيفي. فهذا التكريم لم يكن احتفاء بشخص، ولا لقطة عابرة، بل رسالة فكرية وايدلوجية هادئة داخل مؤسسة نظامية كبرى، مفادها ان الانسانية ليست هامشا في العمل الشرطي، بل جوهره الخفي، وان رعاية الارامل والايتام واسر الشهداء ليست عملا اجتماعيا ثانويا، بل احد اعمدة الامن الوطني.

العميد لطف الله احمد عفيفي لا يستدعى اسمه بوصفه رتبة سابقة، بل بوصفه معنى متحركا. رجل حمل عن المؤسسة عبئا انسانيا ثقيلا حين صمتت الاجراءات، وتأخرت الهياكل، وضاق النظام. لم يكن يؤدي واجبا مكتوبا، بل مارس فضيلة صامتة. وفي الفلسفة الاخلاقية، الفضيلة لا تحتاج الى تكليف، بل الى ضمير حي. لذلك جاء تكريمه اعترافا بالفعل لا بالصفة، وبالمعنى لا بالمنصب.

اما ما قام به مدير عام الشرطة، فهو ابعد من تكريم. انه اعلان صريح لفلسفة قيادية ترى ان بعض القيم لا تفوض، وان بعض الرسائل لا تمر عبر التعميمات. فالقيادة، في بعدها الانساني، ليست حراسة للنظام فقط، بل انتاج للمعنى وترسيخ للبوصلة الاخلاقية داخل المؤسسة. وحين يتقدم القائد بنفسه ليكرم من خدم الضعفاء، فانه يعيد تعريف السلطة بوصفها مسؤولية اخلاقية لا امتيازا اداريا.

في الفكر السياسي العميق، الدولة لا تقوم بالقانون وحده، بل بالشرعية الاخلاقية. وهذه الشرعية لا تنتجها النصوص، بل الاعتراف. الاعتراف بالالم، وبالواجب، وبمن سد فجوة انسانية كان يفترض ان تملأها المؤسسة. ومن هذا المنظور، فان الانسانية لا تناقض المؤسسية، بل تحميها من التحول الى جسد صلب بلا روح.

الفريق اول حقوقي امير عبد المنعم، في هذا السياق، لا يمكن النظر اليه كمدير عام يؤدي دورا تقليديا، بل كقائد جسد ما يمكن وصفه بملك الانسانية. وملك الانسانية لا يعني تمييع القانون، بل سمو الفهم. هو من يدرك ان الصرامة بلا رحمة تفقد معناها، وان الامن الذي لا يرى الارملة واليتيم امن ناقص الشرعية. هو من يحول السلطة من اداة ضبط الى مصدر طمأنينة.

تكريم العميد لطف الله لم يكن ردا على نقد، ولا مجاملة ظرفية، بل تصحيحا هادئا لمسار جف فيه الانسان. وهو تذكير بان المؤسسات العريقة لا تحفظ باللوائح وحدها، بل بالافعال التي تنتصر للمعنى حين يوشك ان يضيع.

هكذا يفهم هذا المشهد في كليته: قائد انحاز للانسان، ومؤسسة استعادت شيئا من روحها، ورسالة تقول لمنسوبيها وللمجتمع ان العطاء الصامت لا يضيع، وان الانسان حين يكون في القلب، تستقيم الدولة من حوله. وفي هذا المقام، لا يكون التكريم حدثا، بل فلسفة، ولا يكون القائد مديرا فحسب، بل ملكا للانسانية بالفعل قبل الوصف.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى