مقالات

التجفيف… حين يتحول الصبر إلى غذاء، والتراث إلى اقتصاد

بقلم  :  د. محمد صلاح علي الفكي

 

التجفيف… حين يتحول الصبر إلى غذاء، والتراث إلى اقتصاد

رؤية فكرية–غذائية–تنموية متماسكة تربط التراث بالعلم والاقتصاد الحيوي

تمتزج هذه الرؤية بين روح المطبخ السوداني والمنهج العلمي، مع ربط منطقي بين حكمة التراث وإمكانات التقنيات الحديثة. وهي تستند إلى خبرات محلية أصيلة وتجارب عالمية ناجحة، لتخطيط مستقبل غذائي واقتصادي مستدام، يحول الممارسات التقليدية إلى رافد للتنمية وقطاع اقتصادي حيوي.

حفظ الغذاء بالتجفيف: حكمة تراثية تسبق عصرها

يُعد التجفيف الطبيعي أقدم وسائل حفظ الغذاء وأكثرها كفاءة. فخفض نسبة الرطوبة يوقف نشاط البكتيريا والإنزيمات المسببة للفساد، مما يطيل عمر الغذاء لشهور أو حتى سنوات، دون الحاجة إلى تبريد مستمر أو مواد حافظة صناعية. والأهم من ذلك، أن عملية التجفيف تقلل بشكل كبير خطر نمو الطفيليات والبكتيريا الضارة مقارنة باللحوم الطازجة، مما يعزز السلامة الغذائية خلال فترات التخزين والنقل الطويلة.

طوّر الإنسان السوداني هذه التقنية بذكاء فطري عبر القرون، مستخدمًا موارد طبيعية متاحة كالشمس والهواء، ومعززًا إياها بالملح والتوابل التي تعمل كمضادات طبيعية للأكسدة والميكروبات. وقد نشأ هذا النظام الغذائي المتكامل كاستجابة عملية وذكية لندرة الموارد وتقلب المواسم، لضمان الأمن الغذائي عبر الفصول.

منظومة متكاملة: العصيدة وملاح الشرموط نموذجاً

تُعد العصيدة بملاح التقلية أو الشرموط (Sudanese Dried Meat) من أكثر الأطباق رمزية وحضورًا في المائدة الرمضانية والسودانية عامة. وهي وجبة تجمع بين الخفة وسرعة الهضم، وتعتمد في قيمتها الغذائية على الكربوهيدرات المعقدة من العصيدة والبروتينات المركزة من اللحم المجفف.

الفوائد الغذائية المتميزة: يقدم الشرموط فائدة كبيرة تتمثل في تركيز البروتين مع انخفاض نسبي في الدهون مقارنة باللحم الطازج. فخلال التجفيف، يفقد اللحم محتواه المائي بشكل كبير بينما تبقى قيمته البروتينية العالية، مما يجعله مصدرًا فعالاً للطاقة والبناء العضوي في وجبة سهلة الهضم والتخزين.

طريقة التحضير التقليدية:

1. التشقيق والتمليح والتتبيل: يشق اللحم (غالباً البقري) ويتم تمليحه وخلطه ببهارات طبيعية كالشمار والكسبرة المطحونة.

2. التجفيف الشمسي: ينشر اللحم على حبال أو أوانٍ في أماكن جيدة التهوية وتحت الشمس المباشرة لأيام حتى يفقد معظم رطوبته.

3. التجهيز النهائي: يدق اللحم المجفف إلى مسحوق خشن، ويتغير لونه من الأحمر الداكن إلى الرمادي الفاتح في دلالة على اكتمال التحول الفيزيائي والكيميائي. ويكتمل الملاح بتجفيف البصل ثم قليه بالزيت حتى الاصفرار دون الإحمار، ثم سحقه وحفظه في أوان محكمة، حيث يعمل الزيت نفسه كمادة حافظة طبيعية. ويُضاف إلى ذلك مسحوق البامية المجففة المسحونة (وتسمى الويكة)، ثم الصلصة والبهارات في المراحل الأخيرة من الطهي، ليُقدَّم الملاح مع العصيدة أو الكسرة أو القراصة.

هذه المنظومة ليست مجرد وصفة طهي؛ بل هي نظام حفظ غذائي تقليدي متكامل، يجمع بين الذوق الفريد والقيمة الغذائية العالية ومبادئ الاستدامة والفاعلية الاقتصادية.

التجفيف الحديث: من الفطرة إلى التقانة

شهدت العصور الحديثة تطور تقنيات التجفيف لتحقيق كفاءة أعلى، وحماية أفضل للقيمة الغذائية، وجودة أكثر ثباتاً، مما يحول الممارسة التقليدية إلى صناعة قابلة للتوسع:

· التجفيف بالهواء الساخن المتحكم فيه: يتم في غرف محكمة مع تحكم دقيق بدرجة الحرارة والرطوبة وسرعة الهواء، مما يضمن تجفيفاً سريعاً وموحداً وجودة مستقرة.

· التجفيف بالتجميد (Freeze Drying): تعتبر من أرقى التقنيات، حيث يتجمد المنتج سريعاً ثم تزال الرطوبة منه تحت ضغط منخفض، مما يحافظ بشكل استثنائي على البنية الأصلية واللون والطعم والقيمة الغذائية.

· التجفيف الشمسي المحسّن: يتم عبر مجففات شمسية مغلقة (مثل النماذج ذات الألواح الجامعة للحرارة) تقلل من تعرض الغذاء للغبار والحشرات، وتزيد من كفاءة امتصاص الطاقة الشمسية، وهي تقنية وسيطة مثالية للمناطق المشمسة.

سوق واعد وفرص ذهبية: يشهد سوق الأغذية المجففة العالمية نمواً متسارعاً، تقدر قيمته بنحو 100 مليار دولار سنوياً، مع توقعات بنمو سنوي يبلغ حوالي 8% حتى عام 2030. هذا النمو يُعزى إلى اتجاهات الاستهلاك الصحي والرغبة في أغذية مريحة وغنية غذائياً. وتمثل هذه الأرقام فرصة تاريخية للمنتجات التقليدية الذكية، مثل الشرموط، لدخول هذا السوق المزدهر.

التعبئة الذكية: مفتاح الوصول للعالمية: لتعظيم هذه الفرص، يجب تبني تقنيات التعبئة الذكية الحديثة التي تحافظ على الجودة وتميز المنتج. وتشمل هذه التقنيات:

· الأكياس المفرغة من الهواء: لإبعاد الأكسجين وإطالة العمر الافتراضي.

· أكياس محكمة الغلق مقاومة للرطوبة والضوء: للحفاظ على القوام ومنع التأكسد.

· التغليف الفردي الجذاب: لتسهيل الاستهلاك والتسويق، مع إمكانية طباعة معلومات تغذوية وجذور تراثية باللغات المختلفة.

القديد (الشرموط/ Sudanese Dried Meat) وجيركي (Jerky): دروس في التكامل

يجسد كل من القديد السوداني (Sudanese Dried Meat / الشرموط) والجيركي العالمي (Jerky) فلسفة واحدة لحفظ اللحوم عبر الثقافات، لكن بمسارات مختلفة توفر فرصاً للتلاقي:

· من حيث التقنية: يعتمد القديد (الشرموط) أساساً على التجفيف الطبيعي (الشمس والهواء) لينتج مسحوقاً يُستخدم كمكون مطبوخ. بينما يعتمد الجيركي على تقنيات صناعية (هواء ساخن، تجفيف بالتجميد) لإنتاج شرائح لحوم جاهزة للأكل.

· من حيث التسويق: ظل القديد (الشرموط) محصوراً في الغالب ضمن الأسواق المحلية والممارسة المنزلية. في المقابل، اخترق الجيركي الأسواق العالمية عبر استراتيجيات العلامة التجارية القوية والتغليف الجذاب والتسويق الرقمي.

الفرصة الاستراتيجية: الجسر الذهبي

تكمن الفرصة في سد الفجوة بين النموذجين لخلق قيمة جديدة:

1. تطوير “قديد معمّد”: باستخدام تقنيات التجفيف الحديثة (كالتجفيف الشمسي المحسن أو بالتجميد) لرفع مستوى الجودة والسلامة والمظهر، مع الحفاظ على النكهة والوصفة الأصلية.

2. تقديم منتج عالمي بنكهة سودانية: تقديم منتج لحوم مجففة عالمي لكن بنكهات وتوابل سودانية فريدة (كمزيج الشمار والكسبرة)، مدعوماً بقصة تراثية أصيلة وعبوة ذكية.

3. اعتماد التسويق الرقمي العالمي: استخدام منصات التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي لرواية قصة هذا المنتج الهجين (التراث + الحداثة) للعالم.

التجفيف النباتي: من الويكا ومسحوق التمر إلى العالمية

لم يقتصر التراث السوداني على تجفيف اللحوم، بل امتد ليشمل خضراوات وفواكه عديدة مثل البامية (الويكة) والقرع والطماطم والمانجو وثمار النخيل. وتكمن قوة هذا القطاع في:

· الفوائد التنموية: تقليل الفاقد الزراعي (الذي تقدر منظمة الفاو أنه يصل إلى ثلث الإنتاج العالمي)، وسهولة التخزين والنقل، وتركيز القيمة الغذائية.

· النماذج الواعدة: كتجفيف التمور في شمال السودان ودارفور لإنتاج مسحوق التمر، الذي يستخدم كمحلٍّ طبيعي صحي وكمكمل غذائي في الصناعات الغذائية العالمية، وبدأت شركات سودانية في تطويره وتسويقه تحت علامات تجارية حديثة.

من الرؤية إلى التطبيق: خارطة طريق عملية

لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، نقترح خارطة طريق تركز على خمس ركائز:

1. التوثيق والمعرفة: توثيق دقيق للمعرفة التقليدية في حفظ الأغذية (الوصفات، الأوقات، المناخ المناسب) قبل اندثارها مع جيل الحرفيين الكبار.

2. توطين التقنية وبناء البنية التحتية: إنشاء وتشجيع وحدات تجفيف صغيرة ومتوسطة الحجم، مبنية على تقنيات محسنة (كالمجففات الشمسية المحسنة) وميسورة التكلفة، في المناطق الريفية والزراعية المنتجة.

3. تطوير المنتج والتصنيع: تحويل المنتجات التقليدية (قديد/شرموط، ويكة، مسحوق تمر) إلى سلع صناعية وفق أعلى المعايير الصحية العالمية (مثل مواصفات الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس والمواصفات الدولية)، مع تصميم عبوات ذكية وجذابة تحكي قصة المنتج وتلبي متطلبات التصدير.

4. الربط بالسياسات الوطنية: إدماج دعم وتطوير صناعة التجفيف ضمن الاستراتيجيات الوطنية للأمن الغذائي، والاقتصاد الحيوي، والتصنيع الزراعي، وتشجيع الصادرات غير النفطية.

5. تمكين المجتمع والاستدامة: تدريب ودمج النساء والشباب بشكل خاص في جميع حلقات سلسلة القيمة: من الإنتاج الزراعي الأولي، مروراً بعمليات المعالجة والتجفيف، وصولاً إلى التسويق المحلي والعالمي عبر المنصات الرقمية. وهذا ليس مجرد خلق فرص عمل، بل استثمار في رأس المال البشري يحفظ المعرفة ويخلق دخلاً مستداماً ويساهم في الاستقرار المجتمعي.

الذاكرة الغذائية كاستثمار استراتيجي

التجفيف، في جوهره، ليس تقنية حفظ فحسب؛ بل هو فلسفة اقتصادية متكاملة قائمة على الاستدامة، وترشيد الاستهلاك، وتعظيم القيمة المضافة من الموارد المحدودة، وصون المعرفة.

من طبق العصيدة وملاح الشرموط (القديد) البسيط، يمكن أن تولد قصة اقتصاد حيوي سوداني حديث. قصة تحترم عبقرية الماضي ولا تتوقف عندها، بل تستثمرها لتخاطب أسواق المستقبل. إن تحويل تراثنا الغذائي من ذاكرة على المائدة إلى سلعة في الأسواق العالمية هو مسار عملي لتحقيق السيادة الغذائية والتنمية الاقتصادية.

فالأمم التي تحسن حفظ غذائها، تحفظ قرارها وتصنع مستقبلها.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى