مقالات

جسر التراث والتنمية: الإبري بذرة صالحة لاقتصاد حيو صحي مستدام

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

جسر التراث والتنمية: الإبري بذرة صالحة لاقتصاد حيو صحي مستدام

الإبري… رائحة رمضان وذاكرة الارتواء في السودان

في عالمٍ تبحث فيه الأسواق العالمية باستمرار عن منتجاتٍ تجمع بين الأصالة والفوائد الصحية، يبرز الإبري كواحد من الكنوز الغذائية التراثية السودانية المؤهلة للانتقال من المحلية إلى العالمية. هذا المشروب الذي يرتبط بروائح رمضان وطقوس الارتواء، يحمل في تركيبه البسيط وقيمته الثقافية بذور نجاح تجاري وصحي كبير، يشبه انتقال مشروبات مثل الكومبوتشا والماتشا من المطابخ التقليدية إلى رفوف المتاجر الكبرى حول العالم.

الإبري والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد الريفية

يُعد الإبري نموذجاً عملياً لتعزيز الأمن الغذائي المحلي وبناء سلاسل إمداد ريفية مرنة. تقوم صناعته بشكل أساسي على الذرة المحلية والتوابل المتوافرة، مما يدعم الزراعة المحلية ويقلل الاعتماد على الاستيراد. يمكن لتعميم وتنظيم إنتاجه أن ينشط اقتصاديات القرى، ويخلق فرص عمل في مراحل الزراعة والتجميع والمعالجة والتوزيع. كما أن طبيعة إنتاجه المنزلي أو شبه المنزلي تجعله أداة لتمكين المرأة الريفية اقتصادياً. إن الاستثمار في سلاسل توريد محلية قصيرة وقوية لمنتجات مثل الإبري لا يضمن فقط استدامة الموارد، بل يحفز النمو الاقتصادي المحلي ويبني مجتمعات أكثر قدرة على الصمود. ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة، فإن انتشاره في كل مائدة رمضانية سودانية يشير إلى حجم استهلاكي واقتصادي غير رسمي ضخم، يمثل قاعدة صلبة لأي تنمية صناعية لاحقة.

المكونات والفوائد الصحية: عبقرية التخمير والتركيب الوظيفي

يرتكز الإبري على مكونات بسيطة في ظاهرها، عميقة الأثر في نتائجها. فالذرة البلدية أو الفيتريتة تشكّل الأساس الغذائي بعد النقع والتخمير والطهي، بينما تضيف البهارات التقليدية كالزنجبيل والقرفة والقرنفل والحبهان والشمار، وأحيانًا الكركدي أو التمر، بعداً نكهوياً وصحياً متكاملاً. تجعل منه هذه التركيبة وعمليات التخمير الطبيعية غذاءً وظيفياً فريداً. تشمل فوائده الصحية المتميزة:

ارتواء عميق وتوازن أملاح: يسهم في الحفاظ على توازن السوائل والأملاح في الجسم بفضل محتواه من الأحماض العضوية والأملاح المعدنية، مما يمنح إحساساً فريداً بالارتواء.

دعم الهضم والطاقة: تنشط عملية إنبات الذرة (الزريعة) الإنزيمات التي تحول النشا إلى سكريات بسيطة سهلة الهضم، كما ترفع مستويات فيتامينات B الضرورية لإنتاج الطاقة وصحة الجهاز العصبي بعد يوم الصيام.

مصدر مضادات الأكسدة: تشكل التوابل والأعشاب المستخدمة توليفة غنية من مضادات الأكسدة والزيوت الطيارة، تدعم المناعة وتقاوم الالتهابات.

مرونة تناسب الجميع: يمكن تقديمه بدون سكر أو باستخدام محليات بديلة، مما يجعله خياراً مرناً حتى لمرضى السكري أو الملتزمين بحميات محددة، مع مراعاة ظروف صحية خاصة مثل قرحة المعدة النشطة.

ويرتبط الإبري في الممارسة الشعبية بنوعين رئيسيين يعكسان تنوعاً وظيفياً واستراتيجياً واضحاً:

الإبري (الحلو مُر): داكن اللون، كثيف الرائحة، غني بالبهارات، ويعتمد على تخمير أطول ونسب أعلى من التوابل. بعد الطهي على الصاج (العواسة) يُجفف في رقائق داكنة اللون، ليكون مشروباً عالي الهوية، مرتبطاً بقوة بالذاكرة الرمضانية والطقوس الاجتماعية، ومناسباً للتسويق كمشروب موسمي وظيفي يحمل قصة ثقافية واضحة.

الإبري الأبيض: الأخف لوناً والأبسط تركيباً، ويعتمد على تخمير أخف وبهارات أقل، ما يمنحه نكهة أكثر حيادية ومرونة. بعد الطهي على الصاج (العواسة) يُنتج رقائق فاتحة اللون. وفي بعض الممارسات الشعبية، يُضاف إلى هذا النوع مكوّنات نباتية طبيعية تمنحه ألواناً مختلفة، لا بقصد الزينة فقط، بل لإضفاء جاذبية بصرية تعكس تنوّع المكونات وتعزز قيمته الوظيفية والجمالية. ويتميّز هذا النوع بقابليته العالية للتطوير الصناعي وضبط السكر وإعادة الصياغة بنكهات متعددة، ما يجعله قاعدة مثالية لمشروب صحي عالمي قابل للاستهلاك اليومي.

تحويل الإبري إلى مشروب عالمي: الدروس المستفادة من التجارب الدولية الناجحة

يدخل الإبري سوقاً عالمياً ضخماً ومتنامياً. تقدر قيمة سوق المشروبات الصحية العالمية بنحو 101.48 مليار دولار أمريكي في 2025، مع توقع وصولها إلى 144.44 مليار دولار بحلول 2034. هذا النمو يُدفع باتجاهات قوية مثل الطلب على المنتجات النباتية والطبيعية، والتركيز على الصحة الوقائية، وتفضيل المستهلكين، وخاصة الأجيال الشابة، لمشروبات قليلة السكر ذات مكونات طبيعية. كما تمثل طبيعته النباتية المحلية واعتماده على سلسلة إمداد قصيرة وقابلة للتجديد عاملاً مسانداً لتحقيق الحياد الكربوني والاستدامة البيئية، مما يضيف قيمة تنافسية في الأسواق العالمية الواعية بيئياً.

لتحقيق الانتقال الناجح في هذا السوق التنافسي، يمكن الاستفادة من نماذج عدة دول وفرت بيئات داعمة للأعمال والمنتجات المبتكرة:

سنغافورة: تشتهر بسرعة تسجيل الأعمال (يوم إلى يومين) وبمعدل ضريبة شركات جذاب، مع إعفاءات للشركات الصغيرة والمتوسطة. تعتبر بوابة مثالية للوصول إلى أسواق رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) وغيرها.

الإمارات العربية المتحدة: توفر بيئة أعمال حيوية مع إعفاءات ضريبية في المناطق الحرة ووقت تسجيل سريع. تعتبر مركزاً لوجستياً وتجارياً عالمياً.

أيرلندا: تقدم معدل ضريبة منخفضاً على دخل التجارة ووقت تسجيل سريع. تعتبر نقطة انطلاق ممتازة للوصول إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

إستراتيجية التطوير والانتشار العالمي

بناءً على الطبيعة المزدوجة للإبري، يمكن صياغة مسارين متوازيين للتطوير:

مسار الهوية والتراث (الإبري الحلو مُر): التركيز على تسويق قصة المنتج وارتباطه بثقافة رمضان والتجمعات الأسرية في السودان. تسعيره كمنتج عالٍ ومتميز، وتوزيعه عبر متاجر الأغذية الصحية والمتاجر المتخصصة في المنتجات العضوية والتراثية والمنافذ السياحية الفاخرة. يستهدف المهتمين بالثقافات ومحبي تجارب المشروبات الفريدة.

مسار الصحة والاستهلاك اليومي (الإبري الأبيض): التركيز على تسليط الضوء على فوائده كمشروب مخمر طبيعي، وغني بالألياف، ومنخفض السكر، وسهل الهضم. تسعيره كمنتج تنافسي للاستهلاك الواسع، وتوزيعه عبر السوبرماركت الكبرى ومتاجر التجزئة والمقاهي التي تقدم بدائل صحية. يستهدف رواد الصحة والعافية والرياضيين ومن يبحثون عن بدائل للمشروبات الغازية.

الجاهزية التصديرية والامتثال للمعايير الدولية

لضمان الجاهزية التصديرية والمنافسة العالمية، يجب أن تتوافق عمليات إنتاج وتعبئة الإبري مع أطر سلامة الغذاء الدولية. يعتبر تطبيق نظام تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة خطوة أساسية لضمان السلامة في كل مرحلة من المزرعة إلى الكأس. كما يتطلب الوصول لأسواق رئيسية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الالتزام بلوائح هيئة الغذاء والدواء الأمريكية وهيئة سلامة الأغذية الأوروبية، خصوصاً فيما يتعلق بتوثيق المكونات، ووضع البطاقات الغذائية، والمطالبات الصحية المسموح بها. يساعد الحصول على شهادات مثل الشهادة العضوية وشهادة المنتج الطبيعي في تعزيز قيمة الإبري ومصداقيته في أسواق المستهلكين الواعين صحياً. كما يُوصى بالمبادرة مبكراً إلى دراسة وتسجيل علامة جغرافية خاصة به تحميه من التقليد وتؤكد على أصالته وارتباطه الوثيق بتراث السودان.

ويُقصد بمفهوم «من المزرعة إلى الكأس» إدارة سلسلة القيمة الكاملة للإبري، بدءًا من زراعة الذرة واختيار أصنافها، مرورًا بعمليات التخمير والتجفيف والتعبئة وفق معايير السلامة والجودة، وانتهاءً بوصول مشروب آمن ومتسق للمستهلك. هذا النهج لا يضمن فقط سلامة الغذاء، بل يعزز الثقة، ويحمي الهوية، ويحوّل المنتج التراثي إلى أصل اقتصادي قابل للتنافس العالمي.

آليات التنفيذ العملية

التعاون مع الحاضنات: البحث عن حاضنات أعمال أو برامج حكومية داعمة للشركات الناشئة في دول مثل سنغافورة.

الاستفادة من الحوافز: الاستفادة من حوافز البحث والتطوير المقدمة في العديد من الدول لدراسة الخصائص الصحية وتحسين التركيبة.

التسويق الرقمي الذكي: اتباع نموذج تسويقي يركز على الوصول للشريحة المستهدفة بدقة باستخدام منصات رقمية متخصصة.

تطوير البنية التحتية المحلية: دعم المزارعين المحليين وتطوير وحدات إنتاج صغيرة نظيفة معتمدة، لبناء سلسلة إمداد محلية قوية تكون أساساً للتوسع العالمي.

يمتلك الإبري بنوعيه (الحلو مُر والأبيض) جميع المقومات التي تؤهله ليس فقط للبقاء كطقس تراثي جميل، بل للتحول إلى مشروب صحي عالمي يحمل هوية سودانية فريدة. المفتاح هو المعالجة الاستراتيجية التي تحترم أصالته وتقدمه بلغة السوق العالمية، مدعومة بدراسة لبيئات الأعمال الملائمة وتنفيذ ذكي لاستراتيجيات التسويق والتوزيع. من خلال الجمع بين حكمة التراث وعلوم السوق الحديثة، يمكن للإبري أن يصبح سفيراً ناجحاً للثقافة السودانية في كل كأس، محققاً الربحية الاقتصادية والمحافظة على التراث في آن واحد. وهكذا، لا يبقى الإبري مجرد ذكرى في فم عطشان، بل يصبح إرثاً حياً يروي مستقبلاً واعداً، جسراً من الذرة والبهارات يربط بين عمق التاريخ واتساع الأسواق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى