
المجلس التشريعي الآن صوت البناء بعد أن حسم الواجب
قد ادى الجيش ما عليه، وحمل عبء اللحظة الحرجة، وصان بقاء الدولة حين كان الخطر يطرق ابوابها. واليوم وقد تماسك الوطن وهدأت عاصفة التهديد، جاء وقت البناء. والبناء الحقيقي لا يكون بالسلاح وحده، بل بالقانون، وبعقل جماعي، وبمجلس تشريعي يعبر عن ضمير البلاد ويحمي مسارها.
المجلس التشريعي ليس مطلبا سياسيا عابرا، ولا ترفا مؤجلا، بل ضرورة وطنية عاجلة. هو المؤسسة التي تترجم التضحيات الى قوانين، وتحول الصمود الى استقرار، وتضمن ان تكون السلطة خادمة للوطن لا عبئا عليه. من دونه يطول الفراغ، ويختلط الاختصاص، وتضيع المسؤولية بين نوايا حسنة وقرارات بلا رقابة.
ومن يجب ان يكون في هذا المجلس؟
يجب ان يكون فيه اهل الدولة لا اهل الضجيج. من عرفوا قيمة القانون حين كان ملاذا، واحترموا المؤسسات حين كانت ضعيفة. يجب ان يكون فيه قضاة سابقون مشهود لهم بالعدل، وقانونيون يدركون ان النصوص لا تكتب للانتقام ولا للمجاملة، بل لحماية الحقوق وصون الكرامة.
ويجب ان يكون فيه خبراء اقتصاد يعرفون ان التشريع المالي يمس لقمة المواطن واستقرار الاسرة، وان اي خطا فيه يدفع ثمنه البسطاء اولا. ويجب ان يكون فيه اداريون مخضرمون خبروا دهاليز الخدمة العامة، ويعرفون اين تتعطل القرارات واين يهدر المال وكيف تسد منافذ الفساد.
كما يجب ان يضم المجلس من ابناء القوات النظامية المتقاعدين من اصحاب الخبرة والانضباط، لا ليحكموا، بل ليسهموا بعقلهم وتجربتهم في تشريع يحمي الدولة بالقانون كما حموها سابقا بالواجب. ويجب ان تحضر المرأة حضورا حقيقيا، شريكة في الصمود وصناعة السلام، لا رقما في كشف. وان يحضر الشباب بوعي ومسؤولية، لا اندفاعا، يدركون ان بناء الدولة عمل طويل النفس.
ولا قيمة لمجلس تشريعي لا يمثل كل الولايات بعدالة. فالقانون الذي يكتب من المركز وحده لا يعيش طويلا، والوطن الذي لا يسمع لكل اطرافه لا يستقر.
المجلس التشريعي الذي نريده هو مجلس يحرس الدولة بالقانون، ويراقب الاداء العام بشجاعة، ويعيد هيبة المؤسسات، ويضع قواعد واضحة للمساءلة، ويغلق باب العبث الى غير رجعة. مجلس يجعل الحكم مسؤولية ثقيلة، لا مكسبا، والتشريع امانة، لا ساحة تصفية.
لقد انجز الجيش واجبه في الميدان، واليوم واجب اهل الرأي والخبرة ان ينجزوا واجبهم في البناء. فالدولة التي تحترم نفسها لا تؤجل تشريعها، والوطن الذي ننشده لا يقوم الا بمجلس تشريعي يليق بتضحياته ويحمل امانته بصدق.






