مقالات

الذهب الأبيض: كأصل اقتصادي حيوي وسلاسل القيمة المضافة

بقلم  : د . محمد صلاح علي الفكي

الذهب الأبيض: كأصل اقتصادي حيوي وسلاسل القيمة المضافة

الذهب الأبيض: شجرة المستقبل التبلدي كمدخل للتنمية المتكاملة

لا يمثّل التبلدي مجرد شجرة معمّرة تزيّن المشهد الريفي في السافنا السودانية، أو موردًا تقليديًا محدود الاستخدام، بل هو ثروة طبيعية استراتيجية كامنة، تختزن في جذعها وأوراقها وثمارها إمكانات هائلة للتنمية المتكاملة. إنها شجرة الاقتصاد الحيوي بامتياز، تجمع بين الزراعة المستدامة، والصحة العامة، والصناعات الغذائية والدوائية، والتنمية الريفية، والتكيّف المناخي، والتصدير الذكي، في وقت يبحث فيه العالم عن موارد طبيعية منخفضة البصمة الكربونية وعالية القيمة الغذائية.

تكمن قوة التبلدي في صمته الطويل؛ فقد ظل حاضرًا في حياة المجتمعات المحلية كغذاء ودواء ومصدر ظلّ وماء، دون أن يحظى بإدارة اقتصادية حديثة تحوّل هذا الحضور التاريخي إلى قيمة مضافة منظمة. وبرغم الانتشار الواسع للتبلدي في السودان وعدد من دول الساحل الأفريقي، ظل التعامل معه محصورًا في الجمع التقليدي والاستهلاك المحلي، بينما تتوسع الأسواق العالمية لمنتجاته بوتيرة متسارعة، خاصة في أوروبا وآسيا، ضمن سوق الأغذية الوظيفية والمكملات الطبيعية الذي ينمو بمعدلات سنوية تتجاوز سبعة في المئة.

إن تبني رؤية تنموية للتبلدي يعني الانتقال من التعامل معه كشجرة برية إلى اعتباره أصلًا إنتاجيًا حيًا، ومن استهلاكه الخام إلى تصنيعه، ومن استخدامه المحلي المحدود إلى إدماجه في سلاسل قيمة وطنية وعالمية. وبهذا المعنى، يقدم التبلدي مدخلًا عميق الأثر لتنمية متكاملة تنطلق من البيئة، وتخدم الإنسان، وتدعم الاقتصاد، وتخلق فرص عمل مستقرة في المناطق الريفية التي عانت طويلًا من التهميش وضعف البدائل الاقتصادية.

القيمة الاستراتيجية للشجرة المعمرة

يُعدّ التبلدي (واسمه العلمي Adansonia digitata) من الأشجار الأفريقية النادرة ذات الخصائص البيئية والاقتصادية الفريدة. فهو شديد التحمل للجفاف، طويل العمر (حيث قد يصل عمره إلى آلاف السنين)، منخفض الاحتياج للمدخلات، وقادر على الإنتاج في بيئات تعجز فيها محاصيل كثيرة. وتتجلى أهميته في تنوع منتجاته من الثمار والأوراق والبذور والألياف، بما يتيح تعدد الاستخدامات الصناعية والغذائية دون استنزاف المورد. غير أن هذا التنوع ظل خارج نطاق السياسات الزراعية والصناعية الرسمية، ولم يُدمج ضمن خطط التنمية الريفية أو استراتيجيات الاقتصاد الحيوي، ما جعله مثالًا واضحًا لهدر ميزة نسبية طبيعية كان يمكن أن تتحول إلى ميزة تنافسية حقيقية.

الفوائد الغذائية والصحية: تفوق كمّي ونوعي مثبت

تُظهر الدراسات الحديثة أن ثمار التبلدي من أغنى المصادر الطبيعية على الإطلاق بفيتامين سي، حيث يحتوي مئة جرام من لب الثمرة على ما يصل إلى خمسمئة ملليجرام من الفيتامين، وهي كمية تفوق ما يوجد في البرتقال الطازج بحوالي عشرة أضعاف. كما تحتوي نفس الكمية على مستويات عالية من المعادن الأساسية، مثل البوتاسيوم والكالسيوم والحديد والمغنيسيوم. هذا التركيز الغذائي الفريد يجعل مسحوق التبلدي ليس مجرد مكمل غذائي، بل أحد أفضل مصادر الغذاء لفيتامين سي في العالم.

وتتجاوز فوائد التبلدي التغذية الأساسية إلى التغذية العلاجية والوظيفية. حيث أثبتت الأبحاث أن محتواه العالي من الألياف الغذائية والمركبات الفينولية يساهم بشكل فعال في تنظيم سكر الدم وتحسين الاستجابة للأنسولين. كما تُستخدم الأوراق واللحاء والبذور تقليديًا وطبياً لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض، تتراوح بين مشاكل الجهاز الهضمي والالتهابات، وأمراض الكلى والمفاصل، وحتى كمنشط عام.

التبلدي في السودان: ثروة غربية مهملة

يتركز الوجود الطبيعي لأشجار التبلدي في السودان بشكل رئيسي في إقليمي غرب البلاد، وهما كردفان ودارفور، حيث تنتشر هذه الشجرة العملاقة التي قد يصل قطر جذعها إلى 15 مترًا. وتُعرف ثمارها محليًا باسم “القنقليز” أو “الجونجليز”، ويصنع منها المشروب الوطني المنعش ذو الرغوة الكثيرة. أما الأوراق اليانعة، فتُعرف في دارفور باسم “العفوص” وتُطبخ وتؤكل كخضار.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن القيمة السوقية لمنتجات التبلدي المصنعة تتجاوز عدة مليارات من الدولارات سنويًا. ويتركز الإنتاج العالمي للتبلدي بصورة شبه كاملة في أفريقيا، حيث تستحوذ دول الساحل وغرب أفريقيا على النسبة الأكبر من المعروض الخام. وتشير التقديرات إلى أن السنغال ومالي وبوركينا فاسو وغانا تسهم مجتمعة بنحو خمسة وخمسين إلى ستين في المئة من الإنتاج السنوي القابل للتسويق. أما السودان، وبرغم امتلاكه واحدًا من أوسع الأحزمة الطبيعية لانتشار التبلدي في أفريقيا الشرقية والوسطى، فلا تتجاوز مساهمته الحالية خمسة في المئة من السوق العالمي، وهي نسبة لا تعكس حجم المورد، بقدر ما تعكس غياب الإطار المؤسسي والتنظيمي لسلسلة القيمة. ويُلاحظ أن أكثر من ثمانين في المئة من القيمة المضافة النهائية لمنتجات التبلدي تتحقق خارج الدول المنتجة، ما يرسّخ فجوة هيكلية بين الإنتاج الطبيعي والعائد الاقتصادي.

تجارب دولية ناجحة في تسويق التبلدي

تقدم تجارب دولية ناجحة دروساً عملية يمكن للسياسات السودانية الاستفادة منها. فعلى سبيل المثال، نجحت السنغال في تسويق “تبلدي كاسامانس” كعلامة جغرافية مسجلة، مما عزز قيمته التسويقية العالمية. وفي غانا، أسهم تطوير نظام وطني لاعتماد وتصدير مسحوق التبلدي العضوي في رفع حصتها السوقية بشكل ملحوظ، من خلال التركيز على الجودة والمواصفات القياسية التي يطلبها السوق الأوروبي. هذه النماذج تؤكد أن تحسين الإطار المؤسسي وضمان الجودة هما مفتاح تحويل الميزة الطبيعية إلى حصة سوقية حقيقية.

أما في الصناعات الدوائية والتجميلية، فيدخل مستخلص التبلدي في منتجات دعم المناعة والعناية بالبشرة ومقاومة الشيخوخة، نظرًا لخصائصه المضادة للأكسدة والقادرة على تحييد الجذور الحرة وحماية الخلايا. وتشمل استخداماته التقليدية المتعددة التي تم تسجيلها في مجتمعات أفريقية متنوعة استعمال اللحاء كعلف خلال الجفاف، والثمار كغذاء وعلاج، والخشب في صناعة الأواني الخفيفة والقوارب.

البيئة والمناخ: شجرة المستقبل

يمثل التبلدي نموذجًا مثاليًا للتنمية في ظل التغير المناخي. فهو شجرة مقاومة للجفاف والحريق، وتساهم في حفظ التربة، والحد من التصحر، وتعزيز التنوع الحيوي. ومن أهم خصائصه البيئية قدرته الفريدة على تخزين كميات هائلة من الماء في جذعه المجوف، حيث يمكن أن تصل سعة التخزين في الشجرة الواحدة إلى 25 ألف لتر، مما يجعله مصدرًا حيويًا للمياه خلال فترات الجفاف الطويلة التي قد تمتد لأكثر من خمسة أشهر. كما يشكّل وجوده عنصر استقرار بيئي واجتماعي في المناطق الريفية، ويحد من الهجرة القسرية المرتبطة بتدهور الموارد. وهذه الخصائص تجعل التبلدي أصلًا استراتيجيًا في سياسات التكيّف المناخي، وليس مجرد مورد غذائي أو نبات تراثي.

توصيات لتنمية سلسلة قيمة التبلدي

لبناء سلسلة قيمة متكاملة للتبلدي تتجاوز الجمع العشوائي إلى الإنتاج المنظم، تبرز الحاجة إلى حزمة سياسات واضحة:

أولًا: التوصيات الإنتاجية والتنظيمية

حماية المورد الطبيعي عبر سن تشريعات تحد من القطع الجائر وتنظم الاستغلال المستدام. ودعم إنشاء وتعزيز الجمعيات التعاونية المحلية التي تمثل حائزي المعرفة التقليدية وتوحد جهود الجمع. مع تطوير وتوحيد طرق الجمع والتجفيف والطحن للحفاظ على الجودة العالية.

ثانيًا: التوصيات الصناعية والبحثية

تشجيع إنشاء وحدات تصنيع صغيرة ومتوسطة تركز على المنتجات ذات القيمة المضافة العالية. وتمويل الأبحاث التطبيقية التي تثبت الفوائد الصحية وتطوير منتجات جديدة تلبي اتجاهات السوق. وجمع وتسجيل الاستخدامات التقليدية للتبلدي في السودان بشكل منهجي لحمايتها والبناء عليها.

ثالثًا: التوصيات التسويقية والتصديرية

تطوير علامة تجارية وطنية قوية تربط المنتج بسمعته كمنتج طبيعي وعضوي وفائق الجودة. واستهداف أسواق الأغذية الصحية ومتاجر التجميل الطبيعية والمنصات الإلكترونية العالمية. وتسويق المنتج من خلال إبراز قصص المجتمعات المحلية والاستدامة البيئية والتراث الثقافي الغني.

من الشجرة إلى الرؤية التنموية

إن التبلدي ليس مجرد شجرة صامدة في وجه الزمن، بل درس تنموي مفتوح. إنه نموذج عملي لكيفية تحويل الميزة النسبية الطبيعية إلى ميزة تنافسية اقتصادية مستدامة. فالدول لا تُقاس بما تملك من موارد فحسب، بل بكيفية إدارتها لما هو متاح. والتبلدي، إذا أُدير بعقلية استراتيجية تجمع بين حكمة التراث ودقة العلم وروح الابتكار، يمكن أن يكون مصدر دخل قومي، وأداة فاعلة للأمن الغذائي والصحي، ومحركًا للاقتصاد الحيوي الريفي، وجسرًا حقيقيًا بين بيئة سليمة وتنمية شاملة.

وهكذا، يتحول التبلدي من رمز طبيعي صامت إلى فاعل اقتصادي واجتماعي، ومن شجرة ظلّ إلى شجرة قيمة، ومن مورد مهمل إلى فلسفة تنموية تبدأ من الجذور، وتثمر استقرارًا للإنسان، وتوازنًا للاقتصاد، واحترامًا للطبيعة.

ملحق ( 3): الإطار المؤسسي الحاكم لسلسلة الذهب النباتي

تندرج هذه الرؤية ضمن سلسلة الذهب النباتي، التي تقوم على تحويل الموارد النباتية ذات الميزة النسبية العالية من مواد خام منخفضة العائد إلى أصول اقتصادية استراتيجية عالية القيمة المضافة، من خلال إدارة منظومية متكاملة لسلاسل القيمة، تجمع بين التخطيط الاستراتيجي الفعّال والتنفيذ التشغيلي الكفء.

ويرتكز هذا الإطار على إنشاء المجلس الأعلى الوطني لسلاسل القيمة المضافة، ويتبع مباشرةً لمجلس الوزراء، بوصفه المظلة السيادية العليا المسؤولة عن وضع السياسات العامة، وتحديد الأولويات الوطنية، والتنسيق الاستراتيجي العابر للوزارات والجهات ذات الصلة، بما يضمن تكامل الأدوار بين الإنتاج الزراعي، والتصنيع التحويلي، والبحث العلمي، والتسويق والتصدير، وعدم اختزال سلاسل القيمة في بعد قطاعي أو مؤسسي ضيق.

ويتولى المجلس الأعلى اعتماد المحاصيل والموارد النباتية الاستراتيجية ضمن سلسلة الذهب النباتي، وإقرار سياسات تحفيز التصنيع المحلي، وضبط العلاقة بين التصدير الخام والتصدير المصنّع، وتوجيه الاستثمارات نحو الحلقات الأعلى قيمة داخل السلسلة، مع إرساء مبادئ الحوكمة والشفافية وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

ويُساند المجلس وحدة تنفيذية متخصصة بوزارة الصناعة، تضطلع بالمهام التشغيلية والفنية لإدارة سلاسل القيمة المضافة، وتشمل مهامها تطوير نماذج التصنيع التحويلي، وضبط المواصفات والجودة، وبناء الشراكات مع القطاع الخاص الوطني والأجنبي، واستقطاب الاستثمارات، إضافة إلى التنسيق التنفيذي اليومي مع وزارتي الزراعة والبحث العلمي والجهات ذات الصلة.

وترتبط الوحدة التنفيذية ارتباطًا مؤسسيًا مباشرًا بوزارتي الزراعة والبحث العلمي، بما يضمن انسياب المعرفة من الحقل إلى المصنع، وتحويل نتائج البحوث الزراعية والغذائية والدوائية إلى منتجات قابلة للتطبيق الصناعي والتسويق التجاري، وتوجيه برامج البحث العلمي نحو احتياجات السوق وسلاسل القيمة الفعلية، لا نحو الإنتاج الأكاديمي المعزول.

ويهدف هذا النموذج المؤسسي إلى تجاوز الاختلالات التقليدية المتمثلة في تشتت المسؤوليات، وضعف التنسيق، والعمل القطاعي المنعزل، واستبدالها بإدارة منظومية مرنة، قادرة على التعامل مع الموارد النباتية بوصفها سلاسل قيمة متكاملة، تبدأ من الإنتاج المستدام، وتمرّ بالتصنيع الذكي، وتنتهي بالتسويق التنافسي وبناء العلامة التجارية الوطنية.

كما يوفّر هذا الإطار أساسًا عمليًا لإشراك المجتمعات المحلية، والجمعيات التعاونية، وصغار المنتجين، في منظومة اقتصادية عادلة ومنظمة، تُحوّلهم من موردين هامشيين للمواد الخام إلى شركاء حقيقيين في القيمة المضافة، وتدعم التنمية الريفية، وتخلق فرص عمل مستقرة، وتحدّ من الهجرة والنزوح الاقتصادي.

وبذلك، لا يُمثّل هذا الإطار المؤسسي مجرد ترتيب إداري، بل يُجسّد فلسفة تنموية متكاملة، تجعل من سلسلة الذهب النباتي أداة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن الغذائي والصحي، وتحقيق التوازن بين حماية البيئة، وتمكين الإنسان، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد في الأسواق الإقليمية والعالمية.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى