
من المراجعة إلى النزاهة: دور المراجع العام في حماية المال العام
سعادة المراجع العام
حين تمر الدول بمراحل التحول، لا يكون التحدي الحقيقي في سن القوانين بقدر ما يكون في حسن إنفاذها، ولا في إنشاء الهياكل بقدر ما يكون في اختيار العقول القادرة على تشغيلها. فبناء منظومة نزاهة فعالة لا يقوم على النصوص وحدها، بل على توظيف الخبرة المتراكمة لمن خدموا القانون في ميادينه العملية. وفي هذا السياق، تمثل كفاءات ضباط الشرطة والنيابة والقضاء المتقاعدين رصيدًا وطنيًا ثمينًا، خبروا مسارات الانحراف، وأدركوا أن الوقاية أعمق أثرًا من العقوبة، وأن حماية المال العام تبدأ من حماية القرار نفسه.
في هذا الإطار، يحتل المراجع العام موقعًا محوريًا في بنية الدولة، بوصفه حارس المال العام، وركنًا أساسيًا من أركان الحكم الرشيد، وضمانة مهنية لسلامة الإنفاق. فدوره لا يقتصر على فحص الأرقام ومراجعة الحسابات، بل يمتد إلى صيانة الثقة العامة، والتأكيد على أن المال العام ليس موردًا إداريًا عاديًا، بل أمانة دستورية وحق جماعي.
غير أن التجربة العملية، كما يؤكد الفكر القانوني الحديث، تُظهر أن المراجعة المالية، مهما بلغت دقتها ومهنيتها، تظل وظيفة لاحقة للفعل. فهي تكشف الخلل بعد وقوعه، وتوثق المخالفة بعد أن تكون آثارها قد انعكست على الموارد العامة، وعلى صورة الدولة في وعي مواطنيها. وهذا لا ينتقص من قيمة المراجعة، بل يضعها في موضعها الصحيح داخل منظومة أوسع وأشمل.
فالفساد في صورته المعاصرة لا يبدأ غالبًا من الحسابات، بل من القرار الإداري. يبدأ من تضارب مصالح غير مُعلن، أو إجراء ملتف على الغاية، أو استخدام سلطة دون مساءلة سلوكية واضحة. وهذه المساحات الرمادية تسبق الأثر المالي، وتشكل البيئة الأكثر خصوبة لنمو الفساد، وهي مناطق لا تغطيها المراجعة المالية التقليدية بحكم طبيعتها.
من هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق الاكتفاء بالمراجعة إلى منطق بناء النزاهة بوصفها منظومة حكم متكاملة. نزاهة لا تُفهم كقيمة أخلاقية مجردة، بل كنظام قانوني مؤسسي، يعمل على الوقاية قبل الكشف، وعلى حماية القرار قبل محاسبة نتائجه. وهذا التحول لا يُضعف دور المراجع العام، بل يعززه ويمنحه عمقًا مؤسسيًا يمنع تحميله ما لا يحتمل.
إن إنشاء إدارة متكاملة للنزاهة، ذات أساس قانوني واضح، واختصاصات محددة، واستقلال يحميها من التدخل، يُكمل عمل المراجعة المالية دون أن يتقاطع معها. إدارة تُعنى بوضع معايير السلوك الوظيفي، وتنظيم الإفصاح وتعارض المصالح، ورصد المخاطر المؤسسية، وحماية المبلّغين، ومتابعة الامتثال الإداري، واقتراح الإصلاحات التي تسد الثغرات قبل أن تتحول إلى مخالفات مالية.
وفي منطق الدولة الحديثة، لا تتحقق سيادة القانون بتكديس التقارير، بل بتكامل الوظائف. فالمراجعة المالية، والنزاهة المؤسسية، والمساءلة القضائية، دوائر متمايزة، لا تقوم إحداها مقام الأخرى. وحين تتكامل هذه الدوائر، تنتقل الدولة من إدارة الأخطاء إلى منعها، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.
إن حماية المال العام لا تتحقق فقط بمحاسبة من أخلوا به، بل بمنع الظروف التي سمحت بالإخلال من الأصل. وهذا هو جوهر التحول من المراجعة إلى النزاهة. فالدولة التي تكتفي بالمراجعة، تظل تطارد آثار الفساد، أما الدولة التي تؤسس للنزاهة، فإنها تحمي نفسها، وتعيد الثقة في مؤسساتها، وتضع المال العام في موضعه الصحيح: أمانة تُدار بالقانون، لا بحسن الظن.






