الذهب البني الداكن: شجرة الاقتصاد الصحي العرديب كمدخل للتنمية المتكاملة
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

بسم الله الرحمن الرحيم
الذهب البني الداكن: شجرة الاقتصاد الصحي العرديب كمدخل للتنمية المتكاملة
الذهب البني الداكن: العرديب كأصل في الاقتصاد الحيوي وسلاسل القيمة المضافة
لا يمثّل العرديب مجرد شجرة ظلّ أو نباتًا تقليديًا يُستخدم في إعداد مشروب شعبي واسع الانتشار، بل هو ثروة طبيعية استراتيجية كامنة، تختزن في ثمارها وأليافها وبذورها إمكانات كبيرة للتنمية المتكاملة. إنه مورد من موارد الاقتصاد الحيوي بامتياز، يجمع بين الزراعة المستدامة، والصحة العامة، والصناعات الغذائية والدوائية، والتنمية الريفية، والتكيّف المناخي، والتصدير الذكي، في وقت يتجه فيه العالم إلى إعادة تقييم النظم الغذائية والبحث عن مكونات طبيعية عالية القيمة الوظيفية ومنخفضة الأثر البيئي.
تكمن قوة العرديب في بساطته العميقة؛ فقد ظل حاضرًا في حياة المجتمعات المحلية في السودان وأفريقيا وآسيا كغذاء ودواء ومشروب ومنكّه طبيعي، دون أن يحظى بإدارة اقتصادية حديثة تحوّل هذا الاستخدام التاريخي إلى قيمة مضافة منظمة. وبرغم الانتشار الواسع لشجرة العرديب في السودان وعدد من الدول الاستوائية وشبه الاستوائية، ظل التعامل معه محصورًا في الجمع التقليدي والاستهلاك المحلي، بينما تشهد الأسواق العالمية توسعًا متسارعًا في الطلب على منتجات التمر الهندي ضمن قطاعات الأغذية الوظيفية، والمشروبات الطبيعية، والصناعات الدوائية، بمعدلات نمو سنوية مستقرة.
إن تبني رؤية تنموية للعرديب يعني الانتقال من التعامل معه كمورد ثانوي إلى اعتباره أصلًا إنتاجيًا حيًا، ومن تسويقه خامًا إلى تصنيعه، ومن استخدامه المحلي المحدود إلى إدماجه في سلاسل قيمة وطنية وعالمية. وبهذا المعنى، يقدم العرديب مدخلًا واقعيًا لتنمية متكاملة تنطلق من البيئة، وتخدم الإنسان، وتدعم الاقتصاد، وتفتح مسارات عمل مستدامة في المناطق الريفية التي عانت طويلًا من ضعف الاستثمار وغياب البدائل الإنتاجية.
القيمة الاستراتيجية لشجرة العرديب
يُعدّ العرديب (واسمه العلمي Tamarindus indica) من الأشجار الاستوائية المعمّرة ذات الخصائص البيئية والاقتصادية المتعددة. فهو شديد التحمل للجفاف النسبي، طويل العمر، منخفض الاحتياج للمدخلات الزراعية، وقادر على الإنتاج في بيئات متنوعة. وتتميّز شجرة العرديب بتعدد منتجاتها، من اللب الثمري إلى البذور والألياف، بما يتيح نطاقًا واسعًا من الاستخدامات الغذائية والصناعية والطبية دون استنزاف المورد.
غير أن هذا التنوع ظل خارج إطار السياسات الزراعية والصناعية الرسمية، ولم يُدمج ضمن استراتيجيات الاقتصاد الحيوي أو خطط التصنيع الزراعي، ما جعله نموذجًا لهدر ميزة نسبية طبيعية كان يمكن أن تتحول إلى ميزة تنافسية ذات عائد اقتصادي مرتفع ومستدام.
الفوائد الغذائية والصحية: مورد وظيفي عالمي
تُظهر الدراسات الغذائية أن العرديب غني بالأحماض العضوية الطبيعية، والألياف الغذائية، ومركبات مضادة للأكسدة، إلى جانب معادن أساسية مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم والكالسيوم والحديد. ويُعرف العرديب بدوره الفعّال في تحسين الهضم، وتنظيم حركة الأمعاء، والمساهمة في خفض مستويات الكوليسترول الضار.
وتتجاوز فوائد العرديب التغذية الأساسية إلى التغذية العلاجية والوظيفية؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى خصائصه المضادة للالتهابات، ودوره في دعم صحة القلب وتنظيم مستويات السكر في الدم. كما يُستخدم تقليديًا في علاج الحمى، واضطرابات الجهاز الهضمي، وبعض الالتهابات البكتيرية، ما يجعله مادة واعدة للصناعات الدوائية والمكملات الصحية.
العرديب في السودان: انتشار واسع وقيمة مهدرة
ينتشر العرديب في السودان في مناطق واسعة تشمل الأقاليم الوسطى والشرقية والغربية، ويُعد جزءًا أصيلًا من الثقافة الغذائية، حيث يُستخدم في إعداد مشروب شعبي واسع الانتشار، إلى جانب استعمالاته المنزلية التقليدية.
ورغم هذا الانتشار، لا تزال مساهمة العرديب في الاقتصاد الوطني محدودة القيمة، نتيجة غياب التصنيع المنظم، وانعدام المواصفات القياسية، وضعف سلاسل التوريد والتسويق. وتشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من القيمة المضافة لمنتجات العرديب يتحقق خارج الدول المنتجة، في صورة مركزات ومشروبات ومنكّهات ومكونات غذائية مصنّعة، ما يعكس فجوة واضحة بين المورد الطبيعي والعائد الاقتصادي الوطني.
تجارب دولية ناجحة في استثمار العرديب
تقدم تجارب دول مثل الهند وتايلاند والمكسيك نماذج ناجحة في تحويل العرديب إلى صناعة متكاملة، تشمل تصنيع اللب المركز، والمشروبات، والصلصات، والمكملات الغذائية، والتصدير بعلامات تجارية قوية. كما نجحت بعض الدول الأفريقية في إدماج العرديب ضمن سلاسل القيمة الزراعية والصناعية، مع إشراك المجتمعات المحلية وتحقيق عوائد تصديرية مستقرة وتشير هذه التجارب إلى أن النجاح لم يكن في وفرة الموارد بل في هندسة السلسلة .
وتؤكد هذه التجارب أن الاستثمار في الجودة، وضبط المواصفات، وبناء العلامة التجارية، هو الطريق الحقيقي لتحويل العرديب من منتج خام إلى سلعة استراتيجية ذات قيمة مضافة عالية.
البيئة والمناخ: مورد متوافق مع التنمية الخضراء
يمثل العرديب موردًا ملائمًا لسياسات التكيّف المناخي، فهو شجرة معمّرة تساهم في تثبيت التربة، وتحسين الغطاء النباتي، ودعم التنوع الحيوي. كما أن طبيعة إنتاجه منخفضة المدخلات تجعله خيارًا مثاليًا للتنمية الزراعية المستدامة في المناطق الهشة بيئيًا.
توصيات لتنمية سلسلة قيمة العرديب
تصاغ هذه التوصيات بوصفها مدخلات قابلة للقياس لا مجرد توجيهات عامة :
لبناء سلسلة قيمة متكاملة للعرديب، تبرز الحاجة إلى حزمة سياسات عملية تشمل:
١. تنظيم الإنتاج والحماية عبر تشريعات تنظم الجمع والاستغلال المستدام، ودعم الجمعيات التعاونية المحلية.
٢.تعزيز التصنيع والبحث من خلال تشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتمويل البحوث التطبيقية لتطوير منتجات جديدة.
٣. التسويق والتصدير الذكي ببناء علامة تجارية وطنية تستهدف أسواق الأغذية الصحية والمشروبات الطبيعية، والاستفادة من المنصات الرقمية.
من المورد الشعبي إلى الرؤية التنموية
إن العرديب ليس مجرد مشروب تقليدي، بل فرصة تنموية حقيقية. إنه مثال عملي على كيف يمكن لمورد بسيط، إذا أُدير بعقلية استراتيجية، أن يتحول إلى رافعة اقتصادية وصحية وبيئية. فالتنمية لا تبدأ من الموارد النادرة، بل من حسن إدارة الموارد المتاحة. والعرديب، إذا أُدمج ضمن رؤية وطنية للاقتصاد الحيوي، يمكن أن يكون مصدر دخل مستدام، وأداة للأمن الغذائي والصحي، ومحركًا للاقتصاد الريفي، وجسرًا بين التراث والابتكار، وبين حماية البيئة وتحقيق التنمية الشاملة.
وهكذا، يتحول العرديب من مورد شعبي إلى أصل اقتصادي، ومن استخدام تقليدي إلى صناعة واعدة، ومن شجرة ظلّ إلى فلسفة تنموية تنبت من الأرض، وتثمر استقرارًا للإنسان، وتوازنًا للاقتصاد، واحترامًا للطبيعة.
ملحق ( 4)
الإطار المؤسسي الحاكم لسلسلة الذهب النباتي :
تندرج هذه الرؤية ضمن سلسلة الذهب النباتي، التي تقوم على تحويل الموارد النباتية ذات الميزة النسبية العالية من مواد خام منخفضة العائد إلى أصول اقتصادية استراتيجية عالية القيمة المضافة، من خلال إدارة منظومية متكاملة لسلاسل القيمة، تجمع بين التخطيط الاستراتيجي الفعّال والتنفيذ التشغيلي الكفء.
ويرتكز هذا الإطار على إنشاء المجلس الأعلى الوطني لسلاسل القيمة المضافة، ويتبع مباشرةً لمجلس الوزراء، بوصفه المظلة السيادية العليا المسؤولة عن وضع السياسات العامة، وتحديد الأولويات الوطنية، والتنسيق الاستراتيجي العابر للوزارات والجهات ذات الصلة، بما يضمن تكامل الأدوار بين الإنتاج الزراعي، والتصنيع التحويلي، والبحث العلمي، والتسويق والتصدير، وعدم اختزال سلاسل القيمة في بعد قطاعي أو مؤسسي ضيق.
ويتولى المجلس الأعلى اعتماد المحاصيل والموارد النباتية الاستراتيجية ضمن سلسلة الذهب النباتي، وإقرار سياسات تحفيز التصنيع المحلي، وضبط العلاقة بين التصدير الخام والتصدير المصنّع، وتوجيه الاستثمارات نحو الحلقات الأعلى قيمة داخل السلسلة، مع إرساء مبادئ الحوكمة والشفافية وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
ويُساند المجلس وحدة تنفيذية متخصصة بوزارة الصناعة، تضطلع بالمهام التشغيلية والفنية لإدارة سلاسل القيمة المضافة، وتشمل مهامها تطوير نماذج التصنيع التحويلي، وضبط المواصفات والجودة، وبناء الشراكات مع القطاع الخاص الوطني والأجنبي، واستقطاب الاستثمارات، إضافة إلى التنسيق التنفيذي اليومي مع وزارتي الزراعة والبحث العلمي والجهات ذات الصلة.
وترتبط الوحدة التنفيذية ارتباطًا مؤسسيًا مباشرًا بوزارتي الزراعة والبحث العلمي، بما يضمن انسياب المعرفة من الحقل إلى المصنع، وتحويل نتائج البحوث الزراعية والغذائية والدوائية إلى منتجات قابلة للتطبيق الصناعي والتسويق التجاري، وتوجيه برامج البحث العلمي نحو احتياجات السوق وسلاسل القيمة الفعلية، لا نحو الإنتاج الأكاديمي المعزول.
ويهدف هذا النموذج المؤسسي إلى تجاوز الاختلالات التقليدية المتمثلة في تشتت المسؤوليات، وضعف التنسيق، والعمل القطاعي المنعزل، واستبدالها بإدارة منظومية مرنة، قادرة على التعامل مع الموارد النباتية بوصفها سلاسل قيمة متكاملة، تبدأ من الإنتاج المستدام، وتمرّ بالتصنيع الذكي، وتنتهي بالتسويق التنافسي وبناء العلامة التجارية الوطنية.
كما يوفّر هذا الإطار أساسًا عمليًا لإشراك المجتمعات المحلية، والجمعيات التعاونية، وصغار المنتجين، في منظومة اقتصادية عادلة ومنظمة، تُحوّلهم من موردين هامشيين للمواد الخام إلى شركاء حقيقيين في القيمة المضافة، وتدعم التنمية الريفية، وتخلق فرص عمل مستقرة، وتحدّ من الهجرة والنزوح الاقتصادي.
وبذلك، لا يُمثّل هذا الإطار المؤسسي مجرد ترتيب إداري، بل يُجسّد فلسفة تنموية متكاملة، تجعل من سلسلة الذهب النباتي أداة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن الغذائي والصحي، وتحقيق التوازن بين حماية البيئة، وتمكين الإنسان، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد في الأسواق الإقليمية والعالمية.






