سلسلة الذهب النباتي: فرص التنمية في تحويل الموارد الطبيعية المهملة إلى أصول سيادية
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

سلسلة الذهب النباتي: فرص التنمية في تحويل الموارد الطبيعية المهملة إلى أصول سيادية
تكمن الفرص الحقيقية للتنمية في السودان في الموارد الطبيعية المهملة التي لم تُستثمر بعد، مثل الدوم والتبلدي والقضيم والعرديب والكركديه. هذه النباتات ليست مجرد أشجار أو محاصيل برية، بل هي ثروة استراتيجية كامنة تحمل إمكانات اقتصادية وصحية وبيئية هائلة. إن تحويلها إلى أصول سيادية يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تعيد تعريف هذه الموارد من عناصر تراثية إلى ركائز اقتصادية قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.
في ظل التوجه العالمي نحو الاقتصاد الحيوي والمنتجات الطبيعية، يقدم السودان بيئة فريدة لهذه النباتات المقاومة للجفاف والملائمة للتغير المناخي. لكن الإشكالية الأساسية تكمن في غياب الإطار المؤسسي والمنهجية العملية لتحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس. تقدم هذه الرؤية نموذجاً متكاملاً لبناء سلاسل قيمة وطنية لهذه الموارد النباتية، مستنداً إلى أدوات تحليلية حديثة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
الإطار النظري: سلسلة القيمة كمنهجية تحويل
يُعد نموذج سلسلة القيمة الذي طوره مايكل بورتر الإطار الأمثل لتحليل وتطوير الموارد النباتية. يعتمد هذا النموذج على تحليل جميع الأنشطة التي تضيف قيمة للمنتج، بدءاً من المواد الخام ووصولاً إلى المستهلك النهائي. يتكون هذا الإطار من عنصرين أساسيين:
الأنشطة الأساسية:
· اللوجستيات الداخلية: وتشمل عمليات استلام المواد الخام وتخزينها وتوزيعها من مناطق الإنتاج إلى مراكز المعالجة الأولية
· العمليات: وهي أنشطة تحويل المواد الخام إلى منتجات نهائية من خلال التصنيع والمعالجة
· اللوجستيات الخارجية: وتتمثل في أنشطة التوزيع والتخزين للمنتجات النهائية
· التسويق والمبيعات: وتضم جميع الأنشطة الترويجية والبيعية
· الخدمات: وتشمل دعم ما بعد البيع وضمان الجودة
الأنشطة الداعمة:
· البنية التحتية المؤسسية: وتشمل التخطيط الاستراتيجي والأنظمة والهياكل التنظيمية
· إدارة الموارد البشرية: وتتمثل في تطوير الكوادر وتدريبها
· التطوير التكنولوجي: ويشمل البحث والتطوير والابتكار
· المشتريات: وتضم عمليات تأمين المستلزمات والمواد الأولية
التطبيق العملي: من النظرية إلى المؤشرات الكمية
إن قوة هذا النموذج تكمن في قابلية تطبيقه العملي من خلال ربط كل نشاط بمؤشرات أداء رئيسية وأهداف كمية واضحة. فيما يلي تحليل تطبيقي للنباتات المستهدفة:
شجرة الدوم: من الجمع التقليدي إلى التصنيع المتقدم
تشكل شجرة الدوم التي تنتشر في مناطق كردفان نموذجاً حياً لضياع القيمة المضافة. يمكن قياس تقدم سلسلة قيمتها من خلال مؤشرات محددة:
في مرحلة اللوجستيات الداخلية، نسعى لخفض الفاقد في الجمع والنقل إلى أقل من 15 بالمئة، مع قدرة وحدة تجميع مجهزة على معالجة 10 أطنان من الثمار في الموسم الواحد.
في مرحلة العمليات التحويلية، نهدف لرفع نسبة التصنيع المحلي من 20 بالمئة حالياً إلى 60 بالمئة خلال خمس سنوات، مما يعني تحويل 70 بالمئة من الثمار الخام إلى مسحوق غذائي ومشروبات مصنعة.
في مجال التسويق، يمكن تحقيق قفزة في القيمة من خلال رفع سعر الكيلو جرام من 5 دولارات للثمار المجففة إلى 20-30 دولاراً للمسحوق المعبأ وظيفياً.
شجرة التبلدي: من الشجرة المعمرة إلى سوق الاطعمة فائقة الفائدة(السوبرفود) العالمي
تمثل شجرة التبلدي في دارفور إمكانات استثنائية غير مستغلة. تشمل أهدافها الاستراتيجية:
في مجال الاستدامة، نعمل على تنظيم الجمع بحيث لا يتجاوز 60 بالمئة من المحصول السنوي مع ضمان تجدد الأشجار.
في التصنيع، نسعى لتحويل القيمة المضافة للطن الواحد من 1000 دولار حالياً إلى 15000 دولار من خلال الدخول في سوق مساحيق السوبرفود العالمية.
في البحث والتطوير، نستهدف تطوير 3-5 منتجات جديدة بين مكملات غذائية ومستحضرات تجميل خلال خمس سنوات.
نبات الكركديه: من التصدير الخام إلى الهيمنة النوعية
يوفر الكركديه في النيل الأزرق دروساً قاسية في إهدار القيمة. تشمل أهداف تحويله:
في معايير الجودة، نعمل على توحيد مواصفات البتلات المجففة من حيث اللون ونسبة حمض الستريك.
في التصنيع، نطمح لرفع نسبة التصدير كمنتجات مصنعة من 20 بالمئة إلى 80 بالمئة خلال عقد.
في الحصة السوقية، نسعى لزيادة حصة السودان في السوق العالمية للمستخلصات عالية الجودة من أقل من 1 بالمئة إلى 3-5 بالمئة خلال خمس سنوات، مع تحقيق عوائد تصديرية تصل إلى 10 ملايين دولار سنوياً.
العرديب (التمر الهندي): من اللب التقليدي إلى التنويع الصناعي
يحتاج العرديب إلى تحول جذري في النظرة تجاه منتجاته:
في الكفاءة التشغيلية، نهدف لخفض الفترة بين القطاف والمعالجة إلى أقل من 48 ساعة.
في تنويع المنتجات، نعمل على استغلال البذور لإنتاج صمغ غذائي صناعي معتمد عالمياً.
نبات القضيم: من المجهول إلى اكتشاف القيمة
يحتاج القضيم إلى استثمار بحثي مكثف لاستكشاف إمكاناته:
في البحث العلمي، نستهدف إطلاق 2-3 مشاريع بحثية تطبيقية خلال خمس سنوات.
في التطوير التكنولوجي، نسعى لتطوير عمليات استخلاص تصل بنقاء الزيوت إلى 95 بالمئة.
الآليات التنفيذية: من التخطيط إلى التطبيق
يتطلب تحقيق هذه الرؤية الانتقال من التخطيط الاستراتيجي إلى البناء المؤسسي الفعال من خلال:
الهيكل المؤسسي المتكامل:
يتطلب النجاح إنشاء مجلس أعلى وطني لسلاسل القيمة المضافة يتبع لمجلس الوزراء، يعمل على وضع السياسات والتنسيق بين الجهات المختلفة. كما يحتاج إلى وحدة تنفيذية متخصصة تابعة لوزارة الصناعة ترتبط بوزارتي الزراعة والبحث العلمي.
الأدوات التشغيلية:
تشمل الأدوات اللازمة تشريعات حماية الموارد، وتمويل البحث والتطوير، وصندوق دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وأنظمة جودة وطنية.
برنامج بناء القدرات:
يتضمن البرنامج تطوير قاعدة بيانات وطنية شاملة، وتنفيذ برامج تدريبية للمزارعين والمنتجين، وبناء علامة تجارية وطنية موحدة، وإنشاء منصات تسويق رقمية.
التحديات والفرص
يواجه تطبيق هذا النموذج تحديات حقيقية تتمثل في السياق الأمني المتقلب، وضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، والمنافسة الإقليمية والعالمية الشديدة، ونقص البنية التحتية اللازمة.
لكن هذه التحديات تقابلها فرص استثنائية، أهمها أن هذه النباتات تشكل بديلاً تنموياً أقل جاذبية للاقتصاد غير الرسمي والمسلح مقارنة بالموارد سريعة النهب، كما يمكن أن تكون أداة لبناء السلام من خلال خلق فرص اقتصادية في المناطق الريفية، إضافة إلى مواءمتها للتغير المناخي وارتباطها بالأسواق العالمية سريعة النمو للمنتجات الطبيعية.
خارطة الطريق المرحلية
لتحقيق النجاح، نقترح خارطة طريق مرحلية:
المرحلة التأسيسية (12-24 شهراً): وتركز على بناء القدرات الأساسية، ووضع التشريعات، وإنشاء وحدات تجميع وتجفيف نموذجية في مناطق مختارة.
مرحلة التوسع (3-5 سنوات): وتشمل تطوير وحدات تصنيع أولية، وإطلاق العلامة التجارية الوطنية، وتوسيع نطاق المشاريع ليشمل مناطق إنتاجية إضافية.
مرحلة النضج (5-10 سنوات): وتهدف للوصول إلى تصنيع متقدم، وبناء مركز إقليمي للابتكار في المنتجات النباتية الطبيعية، وتحقيق حصة سوقية مؤثرة في الأسواق العالمية المستهدفة.
نحو اقتصاد حيوي سيادي
تمثل سلسلة الذهب النباتي رؤية استراتيجية متكاملة لتحويل الموارد الطبيعية المهملة إلى ركائز لاقتصاد وطني منتج ومستدام. قوة هذه الرؤية تكمن في واقعيتها وقابليتها للقياس، وارتباطها المباشر باحتياجات التنمية في السودان.
إن تحويل الدوم والتبلدي والقضيم والعرديب والكركديه من مجرد نباتات برية إلى محركات للتنمية الريفية والتصنيع الوطني والتصدير الذكي ليس خياراً ترفياً، بل هو مسار ضروري لبناء اقتصادي بديل قادر على تحقيق السيادة الاقتصادية.
النجاح في هذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشراكة فعالة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، واتباع منهجية علمية قائمة على البيانات والمؤشرات. بهذه العوامل مجتمعة، يمكن للسودان أن يتحول من دولة تعاني من إهدار مواردها إلى نموذج عالمي في الإدارة الرشيدة للثروات النباتية الطبيعية.







