رسالتي الثانية إلى ولاة الولايات حُكم المدن: من إدارة المكان إلى صناعة الدولة
بقلم : د. الشاذلي عبداللطيف

رسالتي الثانية إلى ولاة الولايات
حُكم المدن: من إدارة المكان إلى صناعة الدولة
في مناخٍ تتطلع فيه البلاد إلى استقرارٍ راسخ وتنميةٍ عادلة، ومع إشاراتٍ تبعث الأمل في إعادة بناء مؤسسات الدولة بروحٍ جديدة، تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة لفلسفة الحكم نفسها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في شُحّ الموارد ولا في نقص الكفاءات، بل في تصميم الدولة وطريقة توزيع السلطة داخلها.
السادة ولاة الولايات،
إن التجربة الطويلة أثبتت أن مركزية القرار أرهقت المدن، وأبعدت الحكم عن الناس، وحوّلت الولاية إلى وسيطٍ إداري ينتظر التوجيه أكثر مما يصنع الحل. ومن هنا يطرح مفهوم حُكم المدن بوصفه رؤية مدنية لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا عبر التفكيك أو القطيعة، بل عبر تمكين المكان ليكون جزءًا فاعلًا في صناعة القرار.
المدينة: من وحدة إدارية إلى وحدة حكم
حُكم المدن يعني أن تتحول المدينة من مرفقٍ خدمي إلى وحدة حكم حقيقية. وحدة تمتلك صلاحيات واضحة في التخطيط، والخدمات، والتنمية المحلية، وتُدار عبر مجلس منتخب بسلطات فعلية، وميزانية شفافة، ومسؤولية مباشرة أمام المواطنين. القرار يُتخذ حيث تُعاش المشكلة، والمساءلة تكون حيث يظهر الأثر.
الدولة كاتحاد مدن متعاونة
في هذا التصور، لا تُختزل الدولة في مركزٍ يُملي التفاصيل، بل تُبنى كإطار سيادي جامع لاتحاد مدن قوية. يحتفظ المستوى الوطني بوظائف السيادة والمعايير العامة، بينما تُدير المدن شؤونها اليومية بكفاءة. هذا التوازن يُنهي ازدواجية القرار، ويُقلّص الهدر، ويُعزز الانسجام بين مستويات الحكم.
الاقتصاد المحلي أساس الحكم الرشيد
حين تُمنح المدن أدوات الإدارة الاقتصادية، تتحرر طاقاتها الكامنة. لكل مدينة هوية اقتصادية تُبنى على مواردها وخصوصيتها: زراعة، صناعة خفيفة، لوجستيات، سياحة، أو معرفة. ربط الجباية بالخدمة، والإنفاق بالمحاسبة، يحوّل الإيرادات إلى استثمارٍ محلي ملموس، ويعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة.
المشاركة والمساءلة
حُكم المدن يعيد الاعتبار للمواطن كشريكٍ لا متلقٍ. المشاركة ليست إجراءً شكليًا، بل مسارًا مؤسسيًا يبدأ بالانتخابات المحلية، ويمتد إلى الرقابة المجتمعية، وينتهي بمساءلة شفافة. حين يشعر الناس بأن أصواتهم تُغيّر، تتراجع اللامبالاة ويقوى الانتماء للمكان.
التخطيط من الداخل لا من الخارج
التنمية الفاعلة لا تُستنسخ. لكل مدينة سياقها الجغرافي والاجتماعي والثقافي. التخطيط المحلي القائم على معرفة دقيقة بالمكان هو الضامن لنجاح المشاريع واستدامتها، بينما تتعثر النماذج العامة الجاهزة لأنها لا ترى الفروق.
دور الولاة في الانتقال إلى حكم المدن
أنتم لستم مديري فروع، بل حُرّاس التوازن بين الدولة ومدنها. دوركم أن تُمكّنوا القرار المحلي، وتبنوا مجالس قوية، وتضمنوا شفافية الميزانيات، وتُرسخوا مسارات محاسبة واضحة. الانتقال من إدارة المدن إلى حكم المدن هو انتقال من استهلاك الزمن إلى صناعة المستقبل.
خلاصة الرسالة
الدولة لا تُبنى من مسافة، ولا تُدار بتكديس التواقيع. الدولة تُبنى حين يُمكَّن المكان، وحين تُحكم المدن بحكمةٍ وعدل. عندها فقط تستقيم التنمية، ويستقر الحكم، ويصبح الأمل مشروعًا عمليًا لا وعدًا مؤجلًا.






