
مشروع الجزيرة: فلسفة نظام الري من علاج مستمر إلى نظام مستقر
يعاني مشروع الجزيرة من أزمة مياه مزمنة بسبب نظام ري تقليدي متهالك، يؤدي إلى هدر أكثر من نصف المياه المتاحة، ويهدد استقراره الإنتاجي والاجتماعي. الحل يكمن في التخلي عن فلسفة الترميم الموسمي، والتحول إلى نظام ري متكامل حديث يعتمد على نقل المياه بأنابيب مغلقة، ونظم ري حديثة موفرة، وإدارة رقمية ذكية. هذا التحول الاستراتيجي يهدف إلى تحقيق استدامة مائية وزراعية، ورفع الإنتاجية والدخل، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
تحوّل نظام الري في مشروع الجزيرة عبر العقود من عمود فقري للتنمية الزراعية والاقتصادية إلى مصدر للأزمات المتكررة. ويعود ذلك إلى اعتماده على فلسفة العلاج المستمر القائمة على الحفريات الدورية وإزالة الطمي والحشائش والمعالجات المؤقتة للقنوات الترابية المفتوحة.
لم يعالج هذا النهج، رغم تكلفته العالية، جذور المشكلة المتمثلة في الفاقد المائي الكبير الذي يتجاوز في بعض المواسم خمسين بالمائة، وضعف التحكم في التوزيع، وهشاشة البنية التحتية، وغياب الإدارة الذكية للمياه، إضافة إلى القصور المؤسسي في الصيانة والتشغيل والحوكمة.
وقد أدى ذلك إلى استنزاف الموارد المالية والمائية دون تحقيق استدامة إنتاجية حقيقية. فتراجعت الإنتاجية الزراعية، وارتفعت تكاليف التشغيل سنوياً، وتكررت النزاعات على المياه بين المزارعين، وتزايدت الهجرة من الريف بسبب عدم استقرار المواسم. وبذلك أصبح النظام الحالي عبئاً تنموياً بدلاً من أن يكون رافعة للنمو، الأمر الذي يستدعي تحولاً جذرياً في فلسفة الري من الترميم المستمر إلى إعادة التصميم الاستراتيجي الشامل.
مقارنة الخيارات الاستراتيجية: الوضع الحالي، التحسين، والتحول الجذري
للوقوف على المسار الأمثل لمستقبل الري في المشروع، تُعرض مقارنة تقييمية بين الخيارات الثلاثة الرئيسية:
من حيث الكفاءة المائية، يظل الوضع الحالي للقنوات الترابية الأكثر هدراً، حيث لا تتجاوز كفاءته 45 إلى 50 بالمائة. بينما يحقق خيار تبطين القنوات تحسناً ملحوظاً يرفع الكفاءة إلى نطاق 65-75 بالمائة. أما الخيار الاستراتيجي المتكامل فهو الأكثر تفوقاً، حيث يصل بكفاءته المائية إلى مستويات عالية تتراوح بين 80 و95 بالمائة.
أما منظور التكاليف التشغيلية والعمر الافتراضي، فيتميز النظام الحالي بتكاليف تشغيلية سنوية مرتفعة جداً ومتكررة، مع عمر تشغيلي قصير يتطلب صيانة دائمة. في المقابل، يخفض التبطين من هذه التكاليف بشكل جزئي ويمنح القنوات عمراً تشغيلياً يتراوح بين 20 و30 سنة. في حين يقدم النظام المتكامل الحديث وعداً بانخفاض كبير في التكاليف التشغيلية على المدى الطويل، مع ضمان عمر تشغيلي ممتد يصل من 30 إلى 50 سنة.
عند النظر إلى الأثر الملموس على الإنتاجية والنسيج الاجتماعي، نجد أن الوضع الحالي يسهم في إنتاجية محدودة ويساهم في تفاقم النزاعات والهجرة الريفية. ولا يحقق خيار التبطين سوى أثر محدود على الإنتاجية. بينما يعد الخيار الاستراتيجي بتحول نوعي، حيث من المتوقع أن يرفع الإنتاجية والدخل الزراعي بنسبة تتراوح بين 30 و60 بالمائة، ويعمل على تمكين المزارعين وتحقيق استقرار مجتمعي داعم للتنمية.
نظم الري الرئيسية: نظرة عامة
تتعدد تقنيات الري المتاحة عالمياً، ويمكن تصنيفها الأساسية إلى:
1. الري السطحي التقليدي Surface Irrigation عبر قنوات ترابية مفتوحة، وهو الأقل كفاءة والأعلى هدراً للمياه.
2. الري بالقنوات المبطنة Lined Canals Irrigation لتقليل التسرب والتبخر.
3. الري بالرش Sprinkler Irrigation لتوزيع المياه بصورة متجانسة.
4. الري بالتنقيط Drip Irrigation لإيصال المياه مباشرة إلى جذور النباتات.
5. النقل بأنابيب مغلقة Closed Pipe Distribution Systems لنقل المياه دون فاقد تقريباً.
6. النظم الذكية المتكاملة Integrated Smart Irrigation Systems التي تجمع بين النقل المغلق والري الحديث والإدارة الرقمية.
ملاحظة حول نظام تبطين القنوات وأساليبه
يعتبر تبطين القنوات Lined Canal Irrigation System تحسيناً هندسياً جزئياً يهدف لتقليل الفاقد المائي، ويتم عبر طرق رئيسية تشمل التبطين بالخرسانة الإسمنتية التقليدية أو المسلحة، واستخدام الأغشية البلاستيكية المقاومة Geomembranes، أو المواد المركبة. ورغم قدرته على رفع الكفاءة المائية إلى حدود 75% وتقليل بعض التكاليف التشغيلية، إلا أنه حل ترقيعي لا يعالج جذور مشكلة ضعف الإدارة وعدم كفاءة التوزيع داخل الحقول.
المقارنة الاستراتيجية: بين الترقيع والتحول الجذري
الوضع الحالي – القنوات الترابية المفتوحة Open Canal Irrigation System
يتميز بكفاءة مائية منخفضة لا تتجاوز 45 إلى 50%، وتكاليف تشغيلية سنوية مرتفعة، وضعف شديد في التحكم والتوزيع، مما يؤدي إلى مواسم غير مستقرة وخسائر إنتاجية متكررة.
خيار التحسين – تبطين القنوات Lined Canal Irrigation System
يرفع الكفاءة إلى 65-75% ويقلل بعض التكاليف الدورية، ولكنه يظل حلاً هندسياً محدود الأثر لا يعالج كفاءة الاستخدام داخل الحقل أو ضعف الإدارة.
الخيار الاستراتيجي – النظام المتكامل الحديث بالضغط Integrated Pressurized Irrigation System
يجمع بين ثلاث ركائز أساسية:
نقل المياه بأنابيب مغلقة مضغوطة Closed Pipe Distribution System.
نظم ري حديثة على مستوى الحقول Sprinkler & Drip Irrigation.
إدارة ذكية للمياه Smart Irrigation Management Systems.
ويحقق كفاءة مائية تتراوح بين 80 و95%، ويخفض التكاليف التشغيلية طويلة الأجل بنسبة تصل إلى 60%، ويرفع الإنتاجية والدخل الزراعي بنسبة 30-60%، مع عمر تشغيلي يمتد من 30 إلى 50 سنة.
الأثر الاجتماعي المباشر: تمكين المزارع الصغير
سيركز التحول على دعم عشرات الآلاف من صغار المزارعين، الذين يشكلون عماد المشروع. من خلال ضمان وصول موثوق للمياه وتخفيض تكاليف الصيانة، يمكن أن يحقق كل مزارع زيادة في صافي دخله السنوي تصل إلى 50% أو أكثر خلال بضع مواسم. هذا الاستقرار المالي المتوقع سيحد من الهجرة من الريف ويخفف من حدة النزاعات المجتمعية حول المياه، مع إعادة شباب الريف للعمل والإنتاج في أراضيهم.
تعزز مصداقية هذا الخيار نجاحات مماثلة في دول واجهت تحديات مائية:
في مصر، أدى التحول نحو الري الحديث والأنابيب المغلقة إلى توفير يزيد عن 30% من المياه وزيادة الإنتاجية بنسبة 40% في مناطق الدلتا.
في المغرب، حقق المخطط الوطني للري بالتنقيط وفورات مائية تجاوزت 40% ورفع دخل المزارعين بشكل ملحوظ.
في الهند، أسهمت مشاريع الري الجماعي بالرش والتنقيط في زيادة الإنتاج بأكثر من 50% في ولايات مثل غوجارات.
خارطة الطريق المرحلية:
1. المرحلة التأسيسية سنة واحدة: تشخيص دقيق وتصميم متكامل.
2. مرحلة النموذج التجريبي 18-24 شهراً: تنفيذ نظام متكامل على مساحة 1000-5000 فدان للتحقق من الجدوى.
3. مرحلة التعميم التدريجي 5-10 سنوات: التوسع في التطبيق مع الإصلاح المؤسسي المتزامن.
توصيات :
1. البدء الفوري بالمشروع النموذجي المتكامل كنواة للتعميم المستقبلي وجمع البيانات الواقعية.
2. إنشاء هيئة وطنية مستقلة محمية بقانون لإدارة عملية التحول بصلاحيات تنفيذية ومالية واسعة.
3. تطوير برنامج دعم متكامل لصغار المزارعين يشمل التدريب العملي والتمويل الميسر والدعم الفني المستمر.
4. ربط خطة التحديث المائي بسياسة زراعية شاملة تعيد هيكلة المحاصيل وتدعم سلاسل القيمة.
5. إجراء دراسات جدوى تفصيلية لتأمين الطاقة اللازمة، مع أولوية للحلول الهجينة المدعومة بالطاقة الشمسية.
6. إجراء تقييم بيئي استراتيجي ووضع نظام رصد مستدام لمراقبة صحة التربة والمياه الجوفية.
7. تأسيس صندوق طوارئ وضمانات للمخاطر، ووضع خطط مرنة للتكيف مع أي تعثر، بما في ذلك خيار النظام الهجين الانتقالي.
8. اعتماد آليات رقابة رقمية وحوكمة رصينة لقياس الأداء وضمان الشفافية والمساءلة طوال مراحل التنفيذ.
رغم الجدارة الفنية للنظام المتكامل، فإن نجاحه يظل رهين التمويل المستدام، واستقرار الطاقة، والقدرة المؤسسية على إدارة التحول، بما يشمل المرحلة الانتقالية وتمكين المزارعين ومراعاة الأبعاد البيئية والاجتماعية. فالحسم ليس تقنياً بقدر ما هو حوكمي وتنفيذي يضمن انتقالاً منضبطاً لا يعيد إنتاج إخفاقات الماضي بكلفة أعلى.
إن التحول إلى نظام ري متكامل وذكي هو قرار سيادي لإنقاذ أحد أهم مشاريع السودان الحيوية. وهو استثمار ضخم في استقرار الريف، والأمن الغذائي، ومستقبل الأجيال. النجاح مرهون بتحويل هذه الرؤية الشاملة إلى إرادة سياسية وإجرائية ثابتة، تتبنى النهج المرحلي الذكي وتوفر البيئة المؤسسية والتمويلية الداعمة.






