
نداء إلى ولاة الولايات: الولاية المنتجة طريق السيادة لا الإعاشة
أصحاب السعادة ولاة الولايات،
التاريخ لا يتذكر من أدار الأزمات بمهارة مؤقتة، بل من حوّل ولايته إلى مصدر إنتاج ورزق وكرامة. إن أخطر ما يواجه بلادنا اليوم ليس شح الموارد، بل سوء إدارتها، وليس غياب الفرص، بل غياب القرار الذي يحول هبة الله إلى اقتصاد حي.
لقد وهب الله كل ولاية، بل كل مدينة وقرية، موردًا يمكن أن يكون أساسًا للتخصص والإنتاج: أرضًا صالحة للزراعة، أو مراعي للثروة الحيوانية، أو معادن، أو موقعًا للتجارة والعبور، أو سواحل وصيد، أو طاقة بشرية شابة. غير أن الخطأ التاريخي كان في التعامل مع الوطن ككتلة واحدة، ففقدنا ميزة التنوع، وورثنا اقتصادًا استهلاكيًا ينتظر الدعم بدل أن يصنع الفائض.
أصحاب السعادة،
إن الولاية التي لا تنتج تُدار دائمًا من خارجها، والاقتصاد الذي لا يتخصص يتحول إلى نزاع على الموارد لا إلى قيمة مضافة. المطلوب اليوم انتقال واضح من عقلية الصرف إلى عقلية الإنتاج، ومن انتظار المركز إلى صناعة المبادرة داخل الولاية نفسها.
ومن هنا تبرز الحاجة العاجلة إلى تكوين لجان استثمارية متخصصة على مستوى كل ولاية، لا تكون لجانًا شكلية أو واجهات إدارية، بل عقولًا تنفيذية تقود القرار الاقتصادي المحلي. لجان تُبنى على الكفاءة والمعرفة، وتضم علماء اقتصاد، وخبراء تنمية، ومختصين في الزراعة والصناعة والتعدين، وأصحاب خبرة في التمويل وسلاسل القيمة والتسويق. وما أكثر علمائنا في الاقتصاد، الذين يملكون الرؤية والتحليل، لكنهم ظلوا بعيدين عن موائد القرار، بينما تُدار موارد الولايات باجتهادات مرتجلة لا بعلم راسخ.
إن مهمة هذه اللجان ليست كتابة التقارير، بل رسم مسار عملي يجعل كل محلية وكل قرية متخصصة ومنتجة. الزراعة لا تعني محصولًا خامًا، بل منظومة كاملة من التخزين والتصنيع والتعبئة والنقل والتصدير. والثروة الحيوانية ليست قطعانًا سائبة، بل لحومًا وألبانًا وجلودًا وصناعات تحويلية. والتعدين ليس حفرًا عشوائيًا، بل قيمة مضافة ومعالجة محلية وعائدًا عادلًا للمجتمع.
أصحاب السعادة ولاة الولايات،
إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالمال، بل بالرؤية. المال يأتي حين يرى خطة، والمستثمر يطمئن حين يرى علمًا يحكم القرار. ولهذا فإن تمكين العلماء والخبراء ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط السيادة الاقتصادية. إقصاء المعرفة من إدارة الموارد ليس خطأ إداريًا فقط، بل نزيف وطني صامت.
وحتى يتحول هذا النداء إلى فعل، فإن المسؤولية تقتضي من كل والٍ خطوات واضحة:
إصدار قرار بتكوين لجنة استثمارية متخصصة بتفويض حقيقي،
إعداد خريطة دقيقة لموارد الولاية وهباتها الطبيعية والبشرية،
تحديد سلاسل قيمة محدودة قابلة للتنفيذ بدل التشتت،
ربط التعليم الفني والتدريب المهني باحتياجات الإنتاج الفعلي،
وضمان أن يكون أي استثمار مرتبطًا بتشغيل الناس ونقل المعرفة وبناء القيمة المحلية.
إن المدينة التي تنتج لا ترفع صوت الشكوى كثيرًا، والقرية التي تتخصص لا تنتظر الإغاثة كل موسم. حين تتحول هبة الله إلى نظام عمل، يصبح الرزق مستدامًا، وتُصان الكرامة، ويقوى القرار المحلي والوطني معًا.
ويبقى السؤال الذي سيُطرح غدًا لا محالة:
هل ستُذكر هذه المرحلة بوصفها زمن الولايات المستهلكة، أم لحظة التحول حين قرر ولاة الولايات أن يجعلوا من هبة الله اقتصادًا، ومن العلم قرارًا، ومن الولاية دولةً منتجة بحق؟







