
ومضة الجمعة
يقولون “السعداء لا يصنعون التاريخ”.
وليس في هذا القول احتفاءٌ بالشقاء، بل هو وصفٌ دقيق لحركة المجتمعات في لحظات الاختبار والخطر.
فالحضارات العظيمة لم تخرج من طيات الرفاه والسكون، بل ولدت حين ضاقت الخيارات وأُجبر الناس على إعادة ترتيب “الممكن”.
تماماً كما فعل “التصحر” قديماً بالناس في الشمال الأفريقي، دفعهم نحو وادي النيل لتولد أعظم الحضارات، وكما حفزت تقلبات دجلة والفرات سكان بلاد ما بين الرافدين ليبدعوا حضارةً أبهرت العالم.
فالتحدي -كما يرى أرنولد توينبي – هو المحرك الأول للاستجابات الخلاقة.
واليوم، ما يمر به السودان ليس مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة مخاض حضاري عسير.
وفي قلب هذا المخاض، تبرز استجاباتنا المجتمعية لتملأ فراغ الغياب؛ من “تكايا” ومبادرات أحياء، تحولت من مجرد حلول اضطرارية إلى أوعية لصناعة الصمود، وإدارة للموارد بصبرٍ حوّل العوز إلى ابتكار.
لقد سقط بذلك وهم “الإدارة من المكتب”، وحل محله “التضامن الميداني” المولود من رحم المعاناة، ليكون هو الحجر الأساس في بناء الدولة القادمة.
فمن وسط هذا الرماد، سيبزغ فجر السودان القادم.. وطناً لا يكتفي بالبقاء، بل يُطوع فيه الإنسانُ المستحيلَ ليصيغ منه أبجديات الحياة.
تلك هي سنن الله في خلقه، وعدٌ غير مكذوب، ولا يخلف الله وعده.
جمعة مباركة.







