مقالات

إدارة الموارد ومنظومة الحوكمة: فهم جذور الأزمة التنموية

بقلم د. محمد صلاح علي الفكي

 

إدارة الموارد ومنظومة الحوكمة: فهم جذور الأزمة التنموية

من الموارد إلى الإعمار: رؤية استراتيجية لتحويل الثروات الطبيعية إلى رافعة للتعافي الوطني عبر الاقتصاد الحقيقي

ليس سؤال الاستفادة من الموارد المعدنية والزراعية سؤالًا تقنيًا عابرًا، بل مدخلًا استراتيجيًا لفهم جوهر الأزمات التنموية في الدول الغنية بالإمكانات والفقيرة في النتائج (كوزنتر وكريم، ٢٠٢١). فالدولة التي تمتلك تنوعًا واسعًا في مواردها الطبيعية يفترض أن تمتلك القدرة على إعادة البناء وتأمين متطلبات العيش الكريم. وعندما تعجز عن ذلك، فإن التفسير لا يكمن في ندرة الموارد، بل في خلل بنيوي عميق في منظومة الإدارة والحوكمة والرؤية الاستشرافية (عايد، ٢٠١٩).

١. تشخيص الجذور: الإدارة لا الندرة

تؤكد التجارب المقارنة أن الموارد، مهما بلغت وفرتها، لا تصنع التنمية بذاتها. فالدول الناجحة في التحول امتلكت فلسفة إدارة تعتبر الموارد أمانة تنموية وأداة لبناء الإنسان وتعزيز الاستقرار المؤسسي (البنك الدولي، ٢٠٢٠). أما حين تُدار باعتبارها عائدًا ظرفيًا للاستهلاك والتبديد، فإنها تتحول تدريجيًا إلى مصدر للهشاشة الاقتصادية والتبعية السياسية، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “لعنة الموارد” (ساكس ووارنر، ١٩٩٥).

ويتمثل أحد جذور الإخفاق في الفصل الوظيفي بين الاقتصاد كعلم تطبيقي قائم على الكفاءة والتخطيط، وبين أنماط إدارة غير إنتاجية تُفرَّغ معها المؤسسات من الخبرات، وتُدار القطاعات الحيوية دون مرجعيات علمية أو أهداف قابلة للقياس (دراكر، ١٩٩٣). فتتحول الموارد، رغم قيمتها، إلى طاقات معطلة، ويصبح الاقتصاد ساحة للاختلال بدلًا من كونه محركًا للنمو والاستقرار.

٢. نماذج كاشفة: التعدين والزراعة

يبرز قطاع التعدين نموذجًا كاشفًا لهذا الخلل، إذ غالبًا ما يظل خارج الدورة الاقتصادية المنظمة نتيجة ضعف الحوكمة، وتعدد القنوات غير الرسمية، وغياب الشفافية، وعدم إدماج العوائد في الموازنات العامة والخطط التنموية الشاملة (مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، ٢٠٢٣). وبهذا تُهدر القيمة السيادية للموارد المعدنية، ويغيب أثرها عن مشروعات الإعمار والخدمات الأساسية.

أما الزراعة، فهي المثال الأوضح على الفجوة بين الإمكانات والواقع. فتوافر الأرض والمياه والخبرة التاريخية لا يكفي ما لم تُبنَ سياسة زراعية متكاملة تربط بين الإنتاج، والتمويل الإنتاجي، والبنية التحتية، والتسويق، والتصنيع التحويلي (منظمة الأغذية والزراعة، ٢٠٢٢). وبدون هذا التكامل، يتراجع هذا القطاع من كونه مشروعًا وطنيًا جامعًا إلى نشاط هش محدود الأثر، عاجز عن تحقيق الأمن الغذائي أو دعم الميزان التجاري.

٣. النتيجة التراكمية: تآكل الثقة والانتماء الاقتصادي

لقد كشفت الأزمات المتراكمة ما كان مستترًا: تفاوتًا تنمويًا حادًا، وغيابًا للعدالة في توزيع العائد، وإقصاءً للمجتمعات المحلية من دوائر القرار والمنفعة (ستيغليتز، ٢٠١٢). هذه العوامل لا تضعف الأداء الاقتصادي فحسب، بل تُنتج احتقانًا اجتماعيًا يحوّل الثروة من عنصر توحيد إلى عامل توتر. وحين لا ترى المجتمعات أثر مواردها على حياتها اليومية، تتآكل الثقة، ويضعف الانتماء الاقتصادي للدولة.

وتتفاقم الإشكالية في ظل غياب مشروع وطني متكامل لإعادة الإعمار، يربط بين الموارد المتاحة وأولويات التعافي ومسارات الإنتاج الحقيقي (كابلان ونورتون، ٢٠٠٤). كما أن الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي، دون تفعيل الموارد الذاتية، يؤدي إلى تعافٍ هش، ويُبقي مسار التنمية رهينًا لعوامل خارجية متقلبة.

٤. المسار العملي المرحلي نحو التعافي عبر الموارد

إن الانتقال من الإمكان إلى الفعل يتطلب قرارًا استراتيجيًا واضحًا، وحزمة إجراءات مترابطة على ثلاثة مستويات زمنية، تقوم على منطق الدولة المنتجة لا الدولة الريعية (بيريز، ٢٠١٦).

أولاً: الإجراءات التأسيسية العاجلة (٠–١٢ شهرًا)

تبدأ بتوحيد الولاية الاقتصادية والقانونية على الموارد الطبيعية ضمن إطار مؤسسي شفاف، وإصدار قانون لحوكمة الموارد يحدد المسؤوليات ويضمن إدخال العائد الكامل في الدورة الاقتصادية الرسمية (أوزي، ٢٠٢٠). ويتوازى ذلك مع إصلاح طارئ لقطاع التعدين عبر مراجعة العقود وضبط قنوات الاستخراج والتسويق، إلى جانب إطلاق برنامج للزراعة الإعمارية يحدد المحاصيل الاستراتيجية ويوفر تمويلًا إنتاجيًا وإصلاحًا عاجلًا لشبكات الري ذات الأولوية.

ثانيًا: إجراءات البناء المؤسسي والمشروعي (١–٣ سنوات)

تشمل إنشاء صندوق وطني للإعمار المستدام يُموَّل بنسبة ثابتة من عائد الموارد السيادية، ويُدار بمعايير مهنية مستقلة، ويركز على المشروعات الإنتاجية لا الاستهلاكية (ستيغلتز، ٢٠٠٧). كما تتطلب إعادة تعريف العلاقة مع المجتمعات المحلية عبر سياسات الإفصاح والمشاركة والمنفعة، وبناء منظومة رقابة ومؤشرات تربط الإيرادات بإنفاق واضح على التعليم والصحة والبنية الأساسية، خاصة في المناطق المنتجة (معهد الحوكمة العالمية، ٢٠٢١).

ثالثًا: إجراءات التحول الاستراتيجي طويل المدى (+٣ سنوات)

تتمثل في التحول نحو التصنيع القائم على الموارد عبر تطوير سلاسل القيمة، وتعميق التكامل بين قطاعات الطاقة والمياه والزراعة والصناعة، وربط التعليم والتدريب الفني بمتطلبات الاقتصاد الحقيقي (بورتر، ١٩٩٠). ويواكب ذلك ترسيخ ثقافة اقتصادية جديدة تقوم على الإنتاج والجودة والمساءلة، بما يبني قاعدة اجتماعية داعمة للتحول (سنج، ٢٠٠٦).

٥. نماذج دولية إرشادية

تُعد تجربة النرويج مثالًا دالًا؛ إذ حوّلت عائدات النفط من مورد ريعي إلى صندوق سيادي خاضع لحوكمة صارمة، استُثمر في الداخل والخارج لخدمة الأجيال، ما جعل المورد أداة استقرار وتنمية لا مصدر تقلب أو تبديد (ريكلين، ٢٠١٨). كذلك تقدم بوتسوانا نموذجًا ملهماً من إفريقيا، حيث تمت إدارة عائدات الماس تحت مظلة حوكمة رشيدة وشراكات دولية عادلة، مما ساهم في تحويل الاقتصاد وضمان توزيع المنافع على المواطنين (أيمز، ٢٠١٩).

ويمكن الاسترشاد بنموذج ماليزيا الآسيوي، التي نجحت في تحويل عائدات المطاط والقصدير إلى تنمية صناعية وبشرية متوازنة عبر خطط خمسية متتالية ركزت على التصنيع والتنمية البشرية (جهاز التنمية الماليزي، ٢٠١٥). كما تقدم تشيلي نموذجًا من أمريكا اللاتينية في إدارة عائدات النحاس عبر صندوق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي ساهم في تخفيف تقلبات الأسواق العالمية وتمويل برامج التنمية الاجتماعية (لاراين وتوريس، ٢٠١٩).

وتُقدِّم جنوب إفريقيا مثالًا متميزًا في مجال الذهب، حيث استطاعت عبر عقود من تنظيم قطاع التعدين أن تُطور واحدة من أكبر بورصات العالم في تداول الذهب والمعادن الثمينة، محوّلة المورد الطبيعي إلى مركز مالي إقليمي ودولي، وهو ما ساهم في تنويع الاقتصاد وخلق وظائف ذات قيمة مضافة عالية (بورصة جوهانسبرغ، ٢٠٢٢).

٦. مؤشرات قياس الأداء: من التخطيط إلى المحاسبة

لضمان نجاح هذه الرؤية الاستراتيجية وتحويلها إلى واقع ملموس، لا بد من وضع نظام متكامل لمؤشرات قياس الأداء يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:

٦.١ مؤشرات الحوكمة والشفافية

· معدل الإفصاح الشامل: نسبة العقود والاتفاقيات المنشورة علنًا (هدف: ١٠٠٪ خلال سنتين)

· مؤشر تكلفة الفساد: نسبة الخسائر الناتجة عن الفساد إلى إجمالي إيرادات الموارد (هدف: تخفيض بنسبة ٥٠٪ خلال ثلاث سنوات)

· مؤشر مشاركة المجتمع المحلي: نسبة قرارات إدارة الموارد التي تشارك فيها المجتمعات المحلية (هدف: ٧٠٪ خلال ثلاث سنوات)

· وقت معالجة الشكاوى: متوسط الوقت اللازم للبت في شكاوى المواطنين المتعلقة بالموارد (هدف: تقليل إلى ٣٠ يومًا)

٦.٢ مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي

· معامل الاستدامة المالية: نسبة العوائد المُعاد استثمارها في التنمية المستدامة (هدف: ٤٠٪ كحد أدنى)

· مؤشر القيمة المضافة: نسبة القيمة المضافة المحلية في صادرات الموارد (هدف: رفع من ٢٠٪ إلى ٦٠٪ خلال عشر سنوات)

· معدل نمو القطاعات المرتبطة: معدل النمو السنوي للصناعات التحويلية القائمة على الموارد المحلية (هدف: ١٥٪ سنويًا)

· مؤشر تنويع الاقتصاد: نسبة مساهمة القطاعات غير الريعية في الناتج المحلي الإجمالي (هدف: ٧٠٪ خلال عشر سنوات)

٦.٣ مؤشرات الأثر الاجتماعي والتنموي

· مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد: نسبة السكان تحت خط الفقر في المناطق المنتجة للموارد (هدف: تخفيض بنسبة ٧٠٪ خلال خمس سنوات)

· مؤشر التنمية البشرية المرتبط بالموارد: نسبة التحسن في التعليم والصحة والخدمات الأساسية في المجتمعات المحلية (هدف: تحقيق ٩٠٪ من المعدل الوطني خلال خمس سنوات)

· معدل التوظيف المحلي: نسبة العمالة المحلية في مشاريع الموارد (هدف: ٨٠٪ خلال ثلاث سنوات)

· مؤشر السلامة البيئية: نسبة الامتثال للمعايير البيئية في استخراج ومعالجة الموارد (هدف: ٩٥٪ خلال سنتين)

٧. آليات التنفيذ والمساءلة

٧.١ البنية المؤسسية

· إنشاء وحدة متخصصة لرصد وتقييم أداء إدارة الموارد تابعة لمجلس الوزراء

· تشكيل لجان رقابية مستقلة تضم خبراء وممثلي المجتمع المدني

· إلزام جميع الجهات المنفذة بنشر تقارير أداء ربع سنوية علنية

٧.٢ نظام الحوافز والعقوبات

· ربط تمويل المشاريع الجديدة بمستوى تحقيق المؤشرات السابقة

· تطبيق نظام تصنيف سنوي للأداء ينشر علنًا

· إقرار عقوبات رادعة للتجاوزات والتقصير في تحقيق الأهداف

٨. من سؤال الملكية إلى سؤال الإدارة

إن الدول الغنية بالموارد لا تواجه في جوهرها أزمة إمكانات، بل أزمة إدارة وحوكمة ورؤية. وما يتطلبه الإعمار الحقيقي ليس معجزة، بل قرارًا استراتيجيًا تاريخيًا يعيد ترتيب الأولويات ويحوّل الثروة من عبء إلى رافعة.

السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا نملك؟

بل أصبح: هل نملك الإرادة والحكمة لنُحسن إدارة ما نملك، ونحوّله إلى مستقبل منتج ومستقر؟

وذلك، بحق، هو السؤال الذي لا تحتمل إجابته أي تأجيل، خاصة مع توفر المؤشرات والأدوات التي تجعل النجاح قابلاً للقياس والتحقيق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى