
أبرز ليهو يا صلاح !!
(1)
بتتعلم من الأيام قالها إسحق الحلنقي شاعر الأُغنية الخالدة لحظة (ريد) وغناها محمد الامين (مصيرك بكرة تتعلم ) .
(2)
تعدت الأُغنية حاجز الريد الذي يزور كل عاشق من غير مواعيد ، إلي رحاب أوسع ومضرب مثل لدروسٍ مستفادة ومسير تعلم للإنسان في براح الحياة الواسع .
(3)
وفي كل الاحوال بتتعلم من الأيام أصبحت عندنا (تحديد) مصير ، نعم تحديد وليس تقرير ، وصرنا نتعلم كل يوم درس جديد نستفيد من الأخطاء فيه ونبني النجاحات نراكمها بعضها فوق بعض ، نتعلم من الايام ونمضي قدماً الي الامام.
(4)
(إتعلم من الايام ) قد كان يرددها صديقي وزميلي في المدرسة المتوسطة عبد الباسط حسين ويغنيها بصوت ونغم يشبه الأغاني الهندية ( التي كان يعشقها كثيراً ) ، كان يغني إتعلم من الايام ، وهو يصوب نحوي لكمات متتالية وكان يقطع الأغنية ليقول لي تعلم كيف تصد هذه اللكمات ، وكان الفصل يصطخب ، يمور ويفور ويموج بضوضاء التلاميذ ، صياح هنا ، صرخات هناك ، ضحك وقهقهات تملأ المكان وفراغ الحصة التي غاب عنها مدرسها لظرفٍ طارئ ، ثم فجأة ساد الهدؤ الذي يسبق العاصفة وعم الفصل صمت القبور إلا من دوي صوت إرتطام لكمات عبدالباسط بالسبورة الخشبية عندما تخطئني لكمة وتقع علي السبورة المسكينة . والعاصفة التي حلت وسبقها سكون كانت هي ظهور مدير المدرسة وهو ( يعاين من الشباك ) ولم يك قطعاً (أحلى زول شفناه ) في ذلك اليوم .
وتعلمنا أنا وعبدالباسط وباقي الفصل في (ثانية شرق) بالمدرسة المتوسطة تعلمنا من الايام خمسة جلدات حسوم ( وكيف يكون الجلد يوم يزور المدير من غير مواعيد وكيف ؟ كيف التلاميذ بتتعلم .. وبتتألم ) . وبالطبع لم أتعلم الملاكمة حتى يوم الناس هذا . والطريف أن المدير والذي أدى واجب الجلد بنفسه كان يردد مع كل جلدة (إتعلم من الايام ) !!
(5)
من منا لم يجلس إلي الإمتحان الصعب عقب الدرس القاسي ورأينا كيف أن إمتحان الوطن كان يوم صعب يكرم فيه المرء أو يهان ومضينا (نتعلم من الايام ) ، من تجربة الحرب في النزوح واللجؤ في التعامل مع نائبات الدهر وقواسيه . الكثير منا تعلم ! والبعض لم يزل يجلس إلي مقاعد الدرس ينتظر عبارة : مضى نصف الزمن ، مضى الزمن كله وإنتهى الدرس ،ولم (يتعلم من الأيام شيئاً)
(6)
لاحظت أن صديقي قبطان الطائرة الماهر والذي حاز علي شهادات متعددة في قيادة الطائرات من طراز الايرباص وعندما أكون معه في سيارته كان يقود العربة وكانه يقود طائرة ليس بسبب السرعة وحسب بل لأنه كان يقود السيارة وكأنه في مدرج الطائرات (الرن وي) وليس في شارع أسفلت ، كان يوزن مقود العربة وعجلاتها بحيث يكون خط سير العربة منتصف الطريق وليس في المسار اليمين منه ، وعندما نبهته الي خطورة خط سيره هذا وخاصةً عندما تأتي عربة مسرعة في الاتجاه المعاكس ، ضحك وقال لي ياخ أنا اتعودت أقود الطائرات لمدة تزيد عن الثلاثة عقود والطائرة تسير في مدرج اتجاه واحد مصمم علي السير في منتصفه وليس علي جانب واحد منه .صمت قليلاً ثم واصل ( ياخ أنا قدت في المدرج أكتر مما قدت في الطريق ) ولكنني الآن (بتعلم من الايام ) قلت له : مما لاحظته انك لم تتعلم بعد، ولكن (مصيرك بكرة تتعلم ).
(7)
أبرز ليه يا صلاح ، الحكاية الطريفة المتداولة بين منسوبي مهنة وضعتهم الأقدار في خدمة الناس ، إاتخذوا مايقومون به من واجب في خدمة الناس شعار ، وتقول الطرفة أن مديرهم الكبير إعتمر طاقية فوق جلابية سودانية من قماش الدمور الكتاني ذات مساء وذهب لقضاء بعض شئونه ، و مر علي كافتريا في طريق شهير في الخرطوم بحري ولفت نظره شاب كان يجلس ومعه فتاة في كافيه شهير علي مدخل الكوبري ، كانا في ريعان الشباب وبفراسة مدير صقلته التجارب وعلمته الايام عرف ان الشاب الذي يجلس مع الفتاة التي ربما تكون مخطوبته هو من منسوبي المؤسسة التي يترأسها.
(8)
المدير أوقف سيارته قصاد مجلس الشاب وقال له : يا إبني قعادك في هذا الموقع ربما كان غير لائق وهناك كثير من الأماكن التي تليق بمن هم في مثل موقعك لماذا لا تذهب إليها بدل الجلوس على قارعة الطريق هكذا ؟ إستشاط الشاب غضباً وتوجه حيث يقف الرجل ، زاجراً إياه قبل أن يقول له لا دخل لك بي وانا حر في ان اجلس حيث اريد ومع من اريد ولا داعي ان تحشر انفك في امور خاصة يحدث كل ذلك والرجل ينصت في إطراق وإهتمام لما يقوله الشاب الذي كانت الفتاة تصيح من خلفه ( أبرز له يا صلاح .. ) ولكن صلاح تريث قليلاً وهو يواصل في خطبته وحديثه للرجل في السيارة ( وتعلم يا حاج اللا تتدخل وتحشر انفك في شئون الآخرين ) والفتاة لم تزل تصرخ من خلفه (أبرز له يا صلاح .. ) وإستمر صلاح في اعطاء الدروس المجانية والفتاة تصيح (ابرز له يا صلاح .. ) وعندما تحمس صلاح بصراخ الفتاة وطفح به الكيل وفي غمرة إنتشائه بتشجيع متواتر من الفتاة قام صلاح بإخراج بطاقة من جيبه وأبرزها في وجه من يحادثه مبيناً انه ينتمي الي مؤسسة عريقة قائلا إنه ( لا يحق لأمثالك أن يعطيها دروس في كيفية التعامل والتصرف والجلوس في الأماكن الخاصة او العامة) . الرجل الذي كان يجلس خلف مقود السيارة أخذ البطاقة التي اشهرها صلاح في وجهه بسرعة ثم وضعها في جيبه مبرزاً اسمه ووظيفته ودرجته الترتيبية في ذات مؤسسة (صلاح ) الذي وقف في حالة إنتباه ، ثم طلب المدير من صلاح ان يأتي اليه في مكتبه عند الخامسة صباحاً الغد . الفتاة التي لم تسمع الحوار الدائر ما فتئت تصرخ (ابرز ليهو يا صلاح !.. ابرز ليهو يا صلاح !) وما كانت تعلم ان صلاح ( أبرز وإنتهى ) وما الموقف العصيب الذي يواجهه إلا نتيجة لاستماعه لنصيحة الفتاة .
(9)
إنصرف صلاح وبوجه شاحب إتجه نحو الفتاة التي لم تفهم سر التجهم الذي إرتسم علي وجه صلاح ، إلي أن رأت الرجل الذي كان يجلس خلف مقود السيارة . رأته بتقدم بسيارته أمتار قليلة إلى الامام قبل ان يعود بها الي الخلف حتى وصل الي موقع قصاد مجلس الفتاة ثم رفع عقيرته وبصوت حاول ان يقلد به نبرات صوت الفتاة صاح : ( أبرز ليهو يا صلاح ) !! ضحكت الفتاة وإبتسم صلاح وهو يدرك هول ما ينتظره صباح الغد ولسان حاله يحاكي الهادي آدم وسيدة الغناءالعربي ام كلثوم مع الفارق طبعاً ( أغدا ألقاك ؟ يا خوف فؤادى من غدي يا لشوقى واحتراقى فى انتظار الموعد/ آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه إقترابا / كنت أستدنيه لكن هبتهُ لما أهابَ ) . وهل يستدنى احد ساعة عقابه ؟
(10)
قال لي المدير الأجنبي وهو يشد علي يدي يوم وداعه بعد إنقضاء فترة عمله معنا في الشركة الشهيرة (لقد تعلمنا الكثير هنا ..صحيح تعلمناه عن الطريق الصعب The Hard way ولكننا تعلمنا ) . فلنتعلم جميعاً من الدروس المجانية التي تبذلها الحياة حتى لا نتعلمها عن الطريق الصعب . ولنتريث كثيراً قبل أن نقدم ل صلاح ( في اي زمان وأي مكان ) نصيحة متهورة تقول : ( أبرز ليهو يا صلاح ) !!







