مقالات

قاعدة الإنتاج الصامتة وبوصلة التنمية المستدامة

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

قاعدة الإنتاج الصامتة وبوصلة التنمية المستدامة

من التشخيص إلى الهندسة التطبيقية

تُشير نظرية الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي إلى أن التنمية المستدامة عملية مؤسسية معقدة ترتكز على المورد البشري المنتج. تذهب هذه الرؤية إلى أبعد من التشخيص النظري العام، فبينما تؤكد على الدور المحوري للحِرَفيّين والصناعيّين والمزارعين كـ قاعدة الإنتاج الصامتة، فإنها تهدف إلى سد الفجوة بين الخطاب الاستراتيجي والتنفيذ العملي. تقدم الرؤية إطار عمل تكاملياً مقترحاً، يدعمه مؤشرات أداء قابلة للقياس ويسد النقص في الأمثلة التطبيقية المصغرة، مما يحول الرؤية إلى خارطة طريق عملية لمتخذي القرار مع الاعتراف الصريح بالتحديات السياسية والمؤسسية التي قد تعترض سبيلها.

أولاً: الأساس النظري المُعزَّز: من القائمة إلى النموذج السببي

بدلاً من الاقتصار على سرد المزايا العامة، يقترح هذا الإطار نموذجاً نظرياً يربط الاستثمار في القاعدة الصامتة بنتائج التنمية المستدامة عبر مسار واضح.

المدخلات تبدأ باستثمارات ملموسة في أربعة مجالات: المهارات المتخصصة عبر تدريب تطبيقي وشهادات مهنية، والتمويل الذكي الموجه عبر آليات ميسرة مرتبطة بالإنتاج، وبناء سلاسل القيمة المحلية عبر تعاونيات ومنصات تسويقية، وأخيراً ضمان الحوكمة والتنسيق المؤسسي الفعال عبر مجلس وطني متكامل.

تتحول هذه المدخلات إلى مخرجات عبر آليات تطبيقية محددة. فالتدريب يرتبط باحتياجات السوق، والتمويل يوجه عبر تجمعات المنتجين، وتُبنى السلاسل القيمة حول سوق مضمون، وتتكامل سياسات الوزارات المختلفة. هذه الآليات تنتج قوى عاملة ماهرة، ووصولاً مالياً للمشاريع، ودخلاً أعلى للمنتجين، وبيئة سياسات متسقة.

هذه المخرجات تؤدي بدورها إلى النتائج النهائية المأمولة: زيادة في الإنتاجية والقيمة المضافة، وتعزيز للإحلال المحلي وتنويع الصادرات، وترسيخ للسيادة الاقتصادية، ورفع لكفاءة الإنفاق العام.

ولضمان قابلية التطبيق والقياس، يقترح النموذج مؤشرات أداء رئيسية لكل مسار. لقياس أثر الاستثمار في المهارات، يمكن متابعة نسبة خريجي التدريب المهني العاملين في تخصصهم وزيادة إنتاجيتهم. ولتقييم التمويل الموجه، نتابع عدد المشاريع الإنتاجية الممولة وحجم التمويل الموجه للتصدير. ولتقويم سلاسل القيمة، نقيس زيادة حصة المنتج الأولي من السعر النهائي وقيمة المشتريات الحكومية المباشرة. وأخيراً، لقياس فاعلية الحوكمة، نرصد عدد السياسات المتضاربة التي تم حلها ووقت إصدار التراخيص والتمويل للمشاريع الصغيرة.

تصحيح مفهومي: تجدر الإشارة إلى أن الاستشهاد بمصطلح “المرض الهولندي” في السياق الأصلي كان يحمل تبسيطاً مفرطاً. فالمصطلح الاقتصادي يشير تحديداً إلى الأثر السلبي لطفرة قطاع الموارد (كالنفط أو الغاز) على تآكل القطاع التصنيعي، وليس مجرد الاعتماد العام على الواردات. الوصف الأدق للتحدي القائم هو ضعف التصنيع والإنتاجية أو الاعتماد الهيكلي على الاستيراد.

ثانياً: نماذج تطبيقية مصغرة: من النظرية إلى الورشة والحقل

لجسر الهوة بين الإستراتيجية العامة والواقع العملي، تقدم الرؤية نموذجين تطبيقين مصغرين يترجمان التوصيات إلى إجراءات ملموسة.

النموذج الأول: تعاونية “النخيل المنتج” – نموذج الإدماج الرأسي المحلي

ينطلق هذا النموذج من سياق واقعي: منطقة ريفية يعتمد أهاليها على زراعة النخيل، ويعانون من هيمنة الوسطاء وضياع جزء كبير من المحصول بسبب غياب التصنيع الأولي. تتحول التوصيات النظرية إلى خطوات عملية. تبدأ بمرحلة التنظيم عبر تأسيس تعاونية تضم عدداً من المزارعين بمساعدة الإرشاد الزراعي. ثم تأتي مرحلة التدريب والتقنية عبر شراكة مع مركز تدريب مهني لتقديم ورش عمل في تصنيف الجودة والتعليب الأساسي والسلامة الغذائية. تتبع ذلك خطوة التمويل بالحصول على قرض جماعي ميسر لشراء وحدة تنظيف وتعبئة. وتنتهي الحلقة بإيجاد سوق مضمون عبر عقد توريد مع سلسلة فنادق محلية أو برنامج التغذية المدرسية. يتم قياس نجاح هذا النموذج عبر مؤشرات ملموسة كزيادة دخل المزارع بنسبة كبيرة خلال موسمين، وخلق وظائف غير زراعية، وتقليل الهدر بشكل كبير، وبناء علامة تجارية محلية.

النموذج الثاني: عنقود الحرف الذكي– نموذج الترقية الرقمية والتسويق

يتعامل هذا النموذج مع تحدٍ حضري: حرفيو النسيج التقليدي الذين يعانون من عزلة السوق وتقليدية منتجاتهم. يركز النموذج على التمكين، مستهدفاً الحرفيات الشابات بشكل أساسي. ثم يدخل مرحلة التقنية والتدريب عبر توفير منح لآلات خياطة محوسبة ودورات في التصميم الرقمي لتحويل التراث إلى تصاميم عصرية. لتعزيز الثقة والقيمة، يتم إصدار شهادة “حرفي معتمد” وعلامة جودة بالشراكة مع جهات التقييس. وأخيراً، يتم فتح آفاق جديدة عبر التسويق بإنشاء منصة إلكترونية جماعية والمشاركة في معارض سياحية دولية. يقاس النجاح هنا بزيادة متوسط سعر المنتج بشكل كبير والوصول إلى أسواق إقليمية جديدة، بالإضافة إلى إضفاء الطابع الرسمي على الورش الحرفية وخلق قنوات تسويقية مستقلة.

أفق زمني مقترح للتعميم: يمكن تعميم هذه النماذج على 3-5 سلاسل قيمة وطنية رئيسية خلال 3 سنوات (المرحلة التجريبية القصيرة)، ثم التوسع إلى 10 سلاسل خلال 7 سنوات (المرحلة المتوسطة)، بهدف تحقيق تحول هيكلي ملحوظ في حصة القاعدة الإنتاجية من الناتج خلال 15 عاماً (الطويل).

ثالثاً: خارطة طريق تنفيذية: المواجهة الصريحة للتحديات

لا قيمة لأي إطار نظري أو نموذج تطبيقي دون خطة تنفيذية واضحة واعتراف صريح بالعقبات التي قد تعترض الطريق. لكل توصية رئيسية، يجب تحديد مسار تنفيذي مفصل وآلية للتغلب على التحديات.

1. توصية إنشاء مجلس وطني للمهارات والإنتاجية تتطلب مساراً يبدأ بمرسوم تأسيسي من أعلى مستوى، يحدد الصلاحيات، ويخصص الموازنة، وينطلق عبر منصة رقمية لتكامل البيانات. أما التحديات المتوقعة فتتمثل في مقاومة الوزارات للتنازل عن الصلاحيات، وبطء البيروقراطية، وضعف ثقافة مشاركة المعلومات. للتغلب على ذلك، يمكن البدء بهيئة تنسيقية استشارية قوية، وربط تمويل المشاريع الوزارية بانسيابيتها مع إستراتيجية المجلس، والبدء بمشروع رائد يثبت قيمة التنسيق.

2. توصية تطوير آليات التمويل الميسر تمر عبر خطوات إنشاء صندوق ضمان للمخاطر، وتصميم منتجات تمويلية مخصصة، وتدريب العاملين في البنوك. التحدي الرئيسي هنا هو تحفظ البنوك التقليدية وتركيزها على الضمانات المادية، ومخاطر القطاع غير الرسمي، وضعف قدرات المنتجين. الحلول المقترحة تشمل إشراك بنوك التنمية لتحمل المخاطر، والتمويل عبر التعاونيات كضمان جماعي، وتوفير نماذج مبسطة لدراسات الجدوى مع دعم فني.

3. توصية بناء سلاسل قيمة محلية تبدأ بتحديد سلاسل واعدة ذات أولوية، ثم رسم خرائط تفصيلية لها، وإنشاء منصات لوجستية مشتركة. تعترض هذا المسار تحديات هيمنة كبار التجار، وضعف البنية التحتية الريفية، وانعدام الثقة بين المنتجين. يمكن التصدي لهذه التحديات عبر خلق سوق مضمون من خلال تفعيل سياسة المشتريات الحكومية المحلية، وبدء المشروع بمنتجين رواد موثوقين، والجمع بين الدعم الحكومي المبدئي والإدارة الخاصة الكفؤة للمنصات اللوجستية.

4. الاندماج في السلاسل القيمة الخارجية: يجب أن تصاحب بناء السلاسل المحلية استراتيجية موازية للاندماج الإقليمي، عبر تحديد منتجات ذات ميزة نسبية للتصدير، والاستفادة من الاتفاقيات التجارية، والمشاركة المستهدفة في معارض دولية لفتح قنوات تسويقية خارجية.

5. الإطار المالي الكلي والتمويل: يجب ربط آليات التمويل الميسر الجزئية بسياسات كلية، مثل توجيه جزء من احتياطيات البنك المركزي أو صناديق الثروة السيادية لإنشاء صناديق ضمان للمخاطر الإنتاجية، وربط سياسات أسعار الفائدة التفضيلية بالمشاريع الموجهة للتصدير.

6. قياس الأثر الاجتماعي الشامل: يجب توسيع مؤشرات الأداء الرئيسية لقياس ما بعد الجانب الاقتصادي، مثل: نسبة مشاركة النساء والشباب في المشاريع، عدالة توزيع القيمة المضافة جغرافياً، وأثر المشاريع في تقليل الهجرة من الريف (الاستقرار المجتمعي).

7. الإطار التشريعي التمكيني: يتطلب النجاح مراجعة وتعديل حزمة تشريعية مستهدفة تشمل: قانون التعاونيات (لتسهيل التأسيس والحصول على التمويل)، قانون المشتريات الحكومية (لإلزامية نسبة للمنتج المحلي)، وقوانين التمويل الأصغر والضمان (لتوسيع نطاق المشاريع المؤهلة وضماناتها).

8. إطار مرونة إدارة المخاطر: يجب تصميم النماذج والنظم (خاصة التمويل وسلاسل القيمة) لتكون مرنة من البداية، عبر أدوات مثل: صناديق تثبيت الأسعار المحلية، تأمين المحاصيل ضد الكوارث المناخية، وخطوط ائتمان طارئة لمواجهة الصدمات المالية الخارجية.

9. آليات التمويل الدولي المختلط والشراكات الدولية: لتسريع التنفيذ وسد الفجوة التمويلية، يجب استغلال أدوات مالية مبتكرة للاستفادة من رأس المال العالمي:

· التمويل المختلط (Blended Finance): يعد أحد أهم الأدوات لتعبئة الاستثمار الخاص في بيئة محفوفة بالمخاطر، من خلال استخدام الأموال العامة أو التفضيلية (كالهبات أو القروض الميسرة) لتخفيض المخاطر وجذب استثمارات تجارية أكبر نحو القطاعات الإنتاجية المحلية، مما يحول الأموال العامة إلى رافعة قوية للتغيير المستدام. تقدم مؤسسات مثل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) وشبكة تمويل التقارب (Convergence) نماذج وخبرات قابلة للتطبيق في مجالات الأمن الغذائي، والمناخ، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء.

· دور مؤسسات التمويل الدولية: يمكن للبنوك التنموية الدولية والصناديق العالمية (كالصندوق المشترك لأهداف التنمية المستدامة التابع للأمم المتحدة) تقديم تمويل تحفيزي، وضمانات للمخاطر، ودعم فني لتصميم المشاريع القابلة للتمويل، مستفيدة من مصداقية وقدرة الأمم المتحدة على الجمع بين الأطراف كوسيط محايد.

· شراكات مع القطاع الخاص العالمي: يمكن صياغة شراكات طويلة الأجل بين القطاعين العام والخاص (PPP) لا تقتصر على البنية التحتية التقليدية، بل تتوسع لتشمل تقديم خدمات عامة مثل تطوير سلاسل القيمة الزراعية أو الحرفية، مع تقاسم المخاطر والعوائد بين الشريكين. إنشاء شبكات وطنية للشراكات بين القطاعين العام والخاص يبني قدرات الحكومات على جذب واستيعاب هذه الاستثمارات بكفاءة.

رابعاً: التقييم والمتابعة: دورة التعلم المستمر

يجب أن يكون التقييم والمتابعة جزءاً عضوياً من أي جهد تنموي، وليس نشاطاً روتينياً لاحقاً. يتطلب ذلك تصميم نظام قوي للمتابعة والتقييم يركز منذ البداية على مؤشرات النتائج والتأثير الحقيقي، وليس مجرد عد الأنشطة المنفذة. كما يجب تشجيع البحث الإجرائي الذي تقوم به الجامعات ومراكز الأبحاث لدراسة النماذج التطبيقية وتقييمها، ونشر الدروس المستفادة – بما في ذلك الإخفاقات – بشفافية لتعميم الفائدة. وأخيراً، تحتاج العملية إلى حوكمة تكيفية تمنح المسؤولين صلاحية تعديل المسارات والسياسات بناءً على البيانات الواردة من الميدان والتغذية الراجعة، لضمان أن تبقى الخطة حية وقابلة للتطوير.

من الخطاب إلى الفعل

لم تعد التنمية المستدامة تحتمل الخطابات العامة والوعود الفضفاضة. إن تحويل “قاعدة الإنتاج الصامتة” من مفهوم إيحائي إلى قوة اقتصادية محركة يتطلب الانتقال من مرحلة الصياغة إلى مرحلة الهندسة التطبيقية الدقيقة. هذه الهندسة تبدأ بتجسيد الرؤية في أمثلة مصغرة قابلة للتصور، وتمضي عبر تفكيك التوصيات إلى مسارات تنفيذية واقعية، وتتوج ببناء أنظمة للمساءلة والتعلم المستمر.

هذه الرؤية ليست نصًا تحليليًا بل مشروع تحويل تنموي. قوتها في أنها لا تَعِد بما لا يُقاس، ولا تقترح ما لا يُنفَّذ، ولا تتجاهل السياسة والمؤسسات. وبدمج الأبعاد الزمنية والمالية الكلية والخارجية والاجتماعية بشكل عملي، وبالبناء المؤسسي والقانوني المتين، وإدماج مراعاة المخاطر وآليات تعبئة التمويل الدولي في التصميم، تقدم الرؤية إطاراً هندسياً تطبيقياً تكاملياً قادراً على الصمود والاستمرار.

يمكن تصنيفها كإحدى الرؤى التطبيقية الرصينة في أدبيات التنمية المعاصرة. التحدي الأعظم ليس في نقص الأفكار أو الخطط، بل في توفر الإرادة السياسية والمؤسسية اللازمة لتبني نموذج عمل جديد: نموذج للحوكمة التكيفية القادرة على تحمل مخاطر الابتكار، ومواجهة مصالح المقاومة الراسخة، والاستثمار الصبور في قياس الأثر بعيد المدى. بهذه العقلية التطبيقية والمرونة التعليمية وحدها يمكن أن تتحول البوصلة النظرية إلى طريق معبد يسير نحو تنمية حقيقية وشاملة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى