مقالات

شكراً إدريس

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

شكراً إدريس

• في عام 1999م، وبقاعة الصداقة، عرض مركز التنمية الحضرية بولاية الخرطوم دراسة حول غابة السنط.

• انطلقت الدراسة من افتراض جوهري: أن الغابة لم تحقق الأهداف الاقتصادية المرجوة منها. وأن دورها كان مقتصراً على الحفاظ على الموقع إلى حين الاستفادة منه مستقبلاً.

• بناء عليه اقترحت الدراسة تخصيص أرض الغابة لوظائف حضرية تتناسب مع موقع الغابة الفريد على النيل: قصر رئاسي، ودار للضيافة، ومسارح، وغيرها من المنشآت.

• اللافت أن الدعوة قدمت للفيف واسع للمشاركة في اللقاء الا الهيئة القومية للغابات، الجهة القانونية المالكة والمسؤولة عن الغابة، لم تُدعَ للمشاركة في اللقاء.

• وبوصفّي المدير العام للهيئة آنذاك، بادرت بالاستعانة بالزميل الراحل طه العاقب الحمودي، مسؤول حجز الغابات بالهيئة، الذي استخرج شهادة بحث أكدت بقاء ملكية الغابة للهيئة.

• ورغم ما وفرته هذه الشهادة من طمأنينة قانونية، إلا أنها فتحت باب تساؤل أكبر: كيف يُعد مخطط عمراني متكامل على أرض مملوكة لجهة أخرى دون علمها أو موافقتها؟

• وتزداد المفارقة وضوحاً حين نعلم أن الوالي الذي كان على رأس الولاية وقت إعداد الدراسة، أصبح لاحقاً وزيراً للزراعة ومشرفا على الغابات.

• وعندما تولى المنصب الجديد، أصدر، بالاشتراك مع وزير التخطيط العمراني للولاية، القرارين رقم (83) و(84) لسنة 2003م، القاضيين بتشكيل لجنة لدراسة عروض لتطوير أراضي الغابة.

• وبرّر الوزير هذا التوجه باعتباره شكلاً من أشكال “الحماية الذكية للغابة”.

• أما موقفه السابق كوالي، فقد كان، كما أوضح، ممارسة لصلاحياته بما يخدم سكان الولاية، خاصة وان الغابة لم تكن في نظر الولاية تؤدي الدور الذي كانت تتطلع إليه الولاية.

• بالطبع، لا لوم على الرجل حين كان والياً، ولا حرج عليه وهو وزير، فهو في كلتا الحالتين يؤدي واجبه وفق رؤيته وصلاحياته المرسومة.

• هنا يظهر أحد أسباب الدعوة إلى “إعمار” الغابة وصونها وتطويرها، فالإعمار في هذا السياق يكسبها الحماية.

• ومن هذا المنظور، يمكن أن تُطرح إعادة إعمار الغابة كمشروع وطني خالص.

• تقوده الدولة عبر وزارة الزراعة بالتنسيق الكامل مع الهيئة القومية للغابات، وبمشاركة أصحاب المصلحة كافة.

• تهدف المبادرة إلى جعل الغابة نموذجاً حيّاً يجمع بين الحماية والتنمية، ويعكس السيادة الوطنية والقيم الرمزية والتاريخية للبلاد.

• غابة السنط، كغيرها من الغابات الحضرية، تخضع لذات الضغوطات السكانية التي تواجه معظم الغابات في العالم.

• والمقارنة مع تجارب الجوار الإقليمي توضح ذلك بجلاء. فغابة “كارورا”، توأم غابة السنط، تقع في قلب العاصمة الكينية نيروبي، مثلما تقع غابة السنط في قلب العاصمة الخرطوم.

• والغابتان حُجزتا في ذات الوقت، مطلع ثلاثينيات القرن الماضي.

• وفي التسعينيات، واجهت “كارورا” مخططات لتحويلها إلى مجمعات سكنية وفنادق، مثلما واجهت غابة السنط الخرطوم.

• لكن السيدة وانغاري ماثاي قادت احتجاجات نسوية سلمية، حظيت بدعم دولي واسع، تُوّج بتكريمها من مجلة “التايم” عام 1998م، ثم نالت جائزة نوبل للسلام عام 2004م.

• وهذا يوضح أن حماية الغابات الحضرية ليست مسألة موارد بقدر ما هي مسألة رؤية وإرادة.

• فغابة السنط محمية قانونياً منذ تاريخ حجزها عام 1932، وتتمتع بوضع يعزز استمراريتها ويحميها من القرارات الارتجالية.

• وهي أيضاً معترف بها منذ العام 1939 دولياً كمأوى للطيور المقيمة والمهاجرة.

• كما اكتسبت اعترافاً قانونياً على مستوى ولاية الخرطوم باعتمادها ضمن الخطة الهيكلية للولاية.

• وفي حال استكمال إدراجها تحت مظلة اتفاقية الأراضي الرطبة، يرفع هذا من سقف الالتزام تجاهها دولياً.

• وفوق ذلك فالغابة بما تتمتع به من سند ودعم مجتمعي واسع، وقيمة تراثية تعد نموذجاً نادراً للغابات الحضرية التي توازن بين احتياجات المدينة وضرورات الطبيعة.

• ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال الحقيقي اليوم: ليس فقط كيف نُعمِرها فحسب، بل كيف نعمرها بحيث نجعل منها رصيداً بيئياً وثقافياً وحضرياً للأجيال القادمة، ووجهاً مشرقاً لعاصمة البلاد القومية.

• بالأمس، زار رئيس الوزراء، كامل إدريس، أرض الغابة، زيارة ليست بالعابرة أو الحدث البروتوكولي.

• هي رسالة قوية تعيد الغابة إلى مجال الرؤية الرسمية، وتؤكد أن الحماية تبدأ بالاعتراف. ومن هنا كان الشكر مستحقاً، لرئيس الوزراء إدريس.

• زيارة رئيس الوزراء، وإعادته الغابة إلى دائرة الرؤية الرسمية، تذكرنا أيضاً بماضٍ غني، حيث كانت غابات السنط شاهدة على أحداث عظيمة شكلت تاريخ السودان.

• فقبل نحو قرن ونصف، ومن غابة سنط على ضفاف بحر أبيض، انطلقت أكبر ثورة سودانية عرفها تاريخ السودان المعاصر.

• واليوم، ومن غابة سنط الخرطوم على ضفاف بحر أبيض، يمكن أن تنطلق ثورة جديدة، هذه المرة لا بالسلاح، بل بالوعي.

• والوعي، في جوهره، ليس لحظة احتجاج عابرة، بل قدرة على تحويل التضحيات والتجارب إلى ذاكرة مستدامة.

• ومن هذا المنظور، يصبح من الممكن أن تُجسد ثورة الوعي هذه من خلال تخليد التضحيات.

• وتحويل الغابة إلى رمز حيّ يروي تاريخ الشهداء والمساهمين في بناء الوطن.

• فالتخليد الحقيقي لا يكون بإقامة النُّصُب الصامتة، بل بصناعة ذاكرة حيّة تتسع لمن قدّموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، ولمن أسهموا في بنائه بالعلم والعمل والفكرة.

• وبهذا المعنى، لا تكون الغابة مجرد فضاءٍ أخضر، بل وعاءً جامعاً للمعنى الوطني.

• تلتقي فيه السيادة بالقيم، والتضحية بالعطاء، في مكانٍ واحد يمكن أن يُعرف، باسم “حديقة الشهداء أو العظماء”.

آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى