مقالات

الصمغ العربي: نموذج إصلاح سوداني من القاعدة إلى القمة

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

الصمغ العربي: نموذج إصلاح سوداني من القاعدة إلى القمة

• هنا، في السودان، وعلى هامش موردٍ يراه البعض متواضعاً، تشكلت تجربة هادئة أثبتت أن الإصلاح لا يبدأ دائماً من القمة، بل كثيراً ما يصعد من القاعدة.

• في التاسع من فبراير 2005 نشرت صحيفة الرأي العام على صفحتها الأولى عنواناً لافتاً:

“حين تخرق الحكومة سياساتها: الصمغ العربي نموذجاً!”.

• لم يكن العنوان مجرد إثارة صحفية، بل كان تعبيراً عن لحظة نادرة التقت فيها السياسة العامة بالتجربة الميدانية الناضجة، ووجد الإعلام نفسه فيها شاهداً ووسيطاً.

• أشارت الصحيفة تحت العنوان بوضوح إلى أن الهيئة القومية للغابات، لو اكتفت بإنشاء جمعيات صغار منتجي الصمغ العربي ثم انصرفت، لكفاها.

• وكشفت أن جوهر التجربة المشار إليها لم يكن في كثرة اللوائح ولا في تضخم الهياكل، بل في تنظيم القواعد وتمكين المنتج الصغير من حماية حقوقه وتحسين شروط إنتاجه وتسويقه، ضمن إطار تعاوني يعكس القيم السودانية في اتخاذ القرار الجماعي.

• في اليوم التالي لنشر ذلك التقرير، أصدر وزير المالية، الزبير محمد الحسن – رحمه الله – القرار رقم (25) لسنة 2005 بتكوين لجنة قومية للنظر في شؤون الصمغ العربي، إنتاجاً وتسويقاً وتجارة.

• جاء القرار معبّراً عن استجابة سياسية سريعة لتفاعل إعلامي مسؤول نقل تجربة واقعية من الميدان إلى طاولة صانع القرار.

• هكذا لعب الإعلام دوره كجسر، لا كمنصة خصومة، فأسهم في تسريع دورة التعلم المؤسسي داخل الدولة.

• لم تولد تجربة جمعيات منتجي الصمغ العربي فجأة، بل بدأت جذورها بشمال كردفان في الثمانينات، عبر جمعيتي “زاكي الدين” و“التبنة ورهود النبق”، واللتين عرفتا مجازاً باسم “البوسة والهرسك” آنذاك.

• تلتهما تجارب أخرى تعثرت أحياناً بسبب غياب التمويل، لكنها راكمت خبرة تنظيمية ثمينة.

• وبحلول عام 1992 بلغ عدد الجمعيات سبع عشرة جمعية في شمال كردفان.

• واعتباراً من عام 2002 أخذت الهيئة القومية للغابات في تعميم التجربة على بقية الولايات المنتجة للصمغ من مواردها الخاصة، حتى بلغ عدد الجمعيات 4223 جمعية.

• كان الهدف واضحاً: نقل قطاع الصمغ العربي من نمط تقليدي بدائي إلى قطاع حديث.

• تُقنَّن فيه الحيازات، ويُؤمَّن فيه الاستثمار طويل المدى للمنتج، مع تمكين المجتمعات المحلية من تقديم الخدمات لأنفسها، وتقليل كلفة الإدارة على الدولة.

• واجهت التجربة في بداياتها مقاومة من قوى عدة رأت فيها تهديداً لمصالحها، إضافة إلى تصورات تقليدية اعتبرت المشاركة الشعبية في إدارة مورد استراتيجي ضرباً من الفوضى.

• غير أن الهيئة القومية للغابات استندت إلى العلم والتجربة، لتؤكد أن الإدارة المجتمعية للغابات هي القاعدة، لا الاستثناء، وأن العالم كله يتجه نحوها.

• سعت الهيئة منذ وقت مبكر لاستقطاب الدعم الدولي لتطوير التجربة، غير أن المانحين – وعلى رأسهم البنك الدولي – اشترطوا إزالة نظام الامتياز والاحتكار القائم آنذاك، باعتباره عائقاً بنيوياً أمام وصول الدعم إلى المنتجين.

• ثم – بعد أن أفضى القرار (25) لسنة 2005، مع عوامل أخرى، إلى تحرير تجارة الصمغ العربي في عام 2009 – نجحت الهيئة في استقطاب الدعم المالي والفني.

• منحة قدرها عشرة ملايين دولار من مجموعة الدول المانحة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد).

• مثّل هذا التحول دليلاً على أن الإصلاحات السياسية والمؤسسية ليست مطلباً نظرياً للمانحين، بل شرطاً عملياً لتمكين المنتج الصغير من الاستفادة من التمويل والتنمية.

• مكن هذا التمويل الهيئة من تنفيذ نموذج تنموي بين عامي 2009 و2014 شمل مائتي جمعية في خمس ولايات.

• ومن تحقيق نتائج لافتة شملت زيادة في إنتاج الجمعيات من الصمغ بنسبة 65%، وارتفاع نصيب المنتج من سعر الصادر من 15% إلى 50%.

• استفاد من هذا التحول أكثر من 11 ألف أسرة، شكلت النساء ربعها، فائجة مباشرة.

• كما أسهم في تنفيذ 46 مشروع بنية تحتية، شملت آباراً ارتوازية، وخزانات مياه خرسانية للشرب الآدمي، وحفائر للماشية، وثمانية مراكز تدريب للمنتجين بسعة 545 متدرباً.

• ترتب عن كل ذلك تحسين في مصادر المياه، وخلق فرص عمل، وإحداث تحولات عمرانية ملموسة، من مباني القش إلى الجالوص أو البلك الأخضر.

• إلى جانب الدعم الدولي، لعبت بعض شركات القطاع الخاص أدواراً إيجابية في مراحل مختلفة، سواء في تمويل الحصاد النموذجي، أو التسويق الجماعي، أو إدخال شهادات الجودة Organic)).

• وتُوّج كل ذلك بقرار وزير الزراعة والغابات بإعلان عيد الحصاد الغابي، مناسبة يُحتفل بها سنوياً من العام 2003، مع بدء إنتاج الصمغ في مثل هذا الوقت، بعد أن كان يحتفل به شعبياً قبل ذلك.

• لم تقتصر تجربة جمعيات منتجي الصمغ على مناطق إنتاجه التقليدية، بل امتدت إلى مناطق لم تكن قد عرفت تقنيات طق الصمغ من قبل.

• مثل قرى ميري (كيجو، كوية، جمودو، وميري بره) في غرب كادوقلي، وذلك بدعم مباشر من الإدارة الأهلية بإمارة ميري وبمساندة محلية كادوقلي.

• تكشف هذه التجربة السودانية المضيئة أن التنمية الحقيقية لا تُصنع بالقرارات الفوقية وحدها، ولا بالتمويل الأجنبي بمعزل عن الواقع.

• بل بتفاعل ذكي بين مؤسسة عامة تمتلك الرؤية والصبر، إعلام مهني ينقل التجربة بأمانة، سياسة عامة تستجيب ولا تعاند، منتج منظم وواعٍ بحقوقه، وشركاء دوليين داعمين.

• هذه التجربة تؤكد أن كسر الحلقة المفرغة بين السياسة والميدان ممكن، متى ما أُحسن الإصغاء لما تقوله الأرض، وما يرويه المنتج، وما تكشفه التجربة حين تُترك لتتكلم عن نفسها.

• تجربة الصمغ العربي ليست مجرد تجلّية إصلاحية، بل سيمفونية سودانية تتناغم فيها الحكومة، والإدارة الأهلية، والإعلام، والمنتج، والقطاع الخاص، والدعم الدولي.

• اتحدت فيها الأصوات باختلافها في لحن تنمية واحد، يسمع على أرض الواقع ويحتفي به الجميع في كل مكان.

آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

 

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى