مقالات

صناعة المستقبل: تحصين القرار الاستراتيجي وبناء دولة المؤسسات

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

صناعة المستقبل: تحصين القرار الاستراتيجي وبناء دولة المؤسسات

المؤسسات هي الجسر الذي تعبر به الدولة إلى النفوذ

لم يعد مستقبل الدول يُصنع بردود الأفعال ولا بإدارة الأزمات بعقلية الطوارئ الدائمة، بل بقدرتها على تحصين قرارها الاستراتيجي داخل منظومة مؤسسية واعية، تستند إلى الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي، وتُحسن قراءة الجغرافيا لا بوصفها قدرًا ثابتًا، بل موردًا قابلًا للتوظيف. فالدولة في عصر التشابك الدولي لم تعد مجرد كيان سياسي، بل نظامًا متكاملًا لصناعة القرار، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، ويضبطه القانون، وتفعّله المؤسسات.

إن بناء دولة المؤسسات يقوم جوهريًا على تحويل الإدارة من ممارسة إجرائية إلى أداة استراتيجية، وعلى الانتقال بالتخطيط من رؤية نظرية إلى منهج دائم لتوجيه السياسات العامة. فالإدارة الحديثة لا تعمل بمعزل عن الجغرافيا، بل تُعيد تفسير الموقع والحدود والموارد والمناخ والممرات البحرية والتكوين السكاني ضمن رؤية وطنية شاملة، تجعل من هذه العناصر مدخلات عقلانية لصناعة القرار، لا مجرد توصيفات جغرافية جامدة. تؤكد نظريات الإدارة الحديثة كما يرى بيتر دراكر أن الإدارة الفعالة هي في جوهرها تحويل المعرفة إلى أداء (Drucker, 1973)، وهذا التحول يتطلب بالضرورة مؤسسات قادرة على توظيف المعرفة الجغرافية والاستراتيجية في عملية صنع القرار.

تبرز الجيوبوليتيك بوصفها مجال الفهم الذي يربط بين الجغرافيا وسلوك الدولة، داخليًا وخارجيًا. فامتلاك مورد نادر كالنفط أو الغاز أو المياه لا يمنح الدولة وزنًا سياسيًا تلقائيًا، وإنما يخلق قابلية للوزن، تتحقق فقط عندما تُدار هذه الموارد بسياسات رشيدة، ومؤسسات قادرة، وأطر قانونية واضحة. كذلك فإن الموقع بين القارات أو على تخوم مناطق الصراع قد يكون مصدر تهديد دائم، أو رافعة نفوذ مستدام، تبعًا لقدرة الدولة على استيعاب توازنات القوة الدولية، وإدارة علاقاتها الخارجية بعقل استراتيجي بعيد عن الارتجال. هذا ما أكده مكيندر في نظريته عن المحور الجغرافي للتاريخ حيث أشار إلى أن الموقع الجغرافي يحدد إلى حد كبير قدرات الدولة ونفوذها (Mackinder, 1904)، لكن هذه الحتمية تخضع لقدرة المؤسسات على توظيف الموقع لصالح الأهداف الاستراتيجية.

إن سياسات الدولة وسلوكها الخارجي، في جوهرها، ليست انعكاسًا للأيديولوجيا أو المواقف الآنية، بل محصلة لفهم عميق للصراع الدولي، ولموازين القوة، ولمصالح الفاعلين الإقليميين والدوليين. والدولة المؤسسية هي التي توظف عناصرها الجغرافية لتعزيز أمنها القومي، وحماية سيادتها، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية، وبناء شراكات متوازنة لا تقوم على التبعية ولا على الصدام غير المحسوب. وكما يوضح كينيدي في تحليله التاريخي لصعود وهبوط القوى العظمى، فإن القوة الحقيقية تكمن في “القدرة على التكيف المؤسسي مع المتغيرات الدولية” (Kennedy, 1987).

وفي هذا الإطار، يلعب القانون – الدستوري والوطني والدولي – دورًا محوريًا في تحصين القرار الاستراتيجي. فالقانون ليس قيدًا على الدولة، بل أداة تنظيم للسلطة، وضمان لاستمرارية السياسات، ومصدر شرعية للحركة في النظام الدولي. كما أن فن التفاوض، المرتكز على الفهم القانوني الدقيق، يُعد من أهم أدوات تحويل القيود إلى فرص، وتحويل الأزمات إلى أوراق قوة.

إن إدارة الأزمات في عالم متغير لم تعد مهارة فردية ولا اجتهادًا ظرفيًا، بل وظيفة مؤسسية تتطلب بناء قدرات وطنية في الاستبصار، والتحليل، واتخاذ القرار تحت الضغط. والدول التي نجحت في ذلك هي تلك التي أسست عقلًا استراتيجيًا مؤسسيًا، يفصل بين القرار الفني والضغوط السياسية المؤقتة، ويجعل من التخطيط ثقافة دولة لا وثيقة تُهمل مع تغيّر الحكومات. وقد حذرت باربرا توشمان في تحليلها التاريخي للقرارات الخاطئة من “مسيرة الحماقة” التي تنتج عن اتخاذ القرارات بعيدًا عن التحليل المؤسسي والمنطق الاستراتيجي (Tuchman, 1984).

وعليه، فإن المؤسسات تمثل الجسر الحقيقي الذي تعبر به الدولة من الهشاشة إلى الاستقرار، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة البقاء إلى صناعة النفوذ. فلا قيمة للموقع من دون مؤسسات، ولا جدوى للموارد من دون حوكمة، ولا معنى للسيادة من دون قرار استراتيجي محصّن بقواعد واضحة ورؤية طويلة المدى. وهذا ما يؤكده نورث في نظريته عن التغيير المؤسسي، حيث يرى أن “المؤسسات الفعالة هي التي تخلق حوافز للابتكار والنمو وتحد من السلوك الانتهازي” (North, 1990).

إن صناعة المستقبل لا تبدأ من تغيير الأشخاص، بل من تحصين القرار داخل مؤسسات قادرة على الفهم والتنفيذ والمراجعة. فالدول لا تُقاس بما تملكه من أرض أو موارد، بل بقدرتها على توظيف جغرافيتها ضمن رؤية قانونية واستراتيجية متماسكة. وحين تصبح المؤسسات أداة تمكين لا عبئًا إداريًا، ويتحول التخطيط إلى سلوك يومي، وتُدار الجغرافيا بعقل الدولة لا بانفعالات اللحظة، عندها فقط تنتقل الدولة من هامش النظام الدولي إلى قلبه، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. وهذا التحول يتطلب تبني منهجيات التخطيط الاستراتيجي الحديثة التي تجمع بين التحليل الداخلي والخارجي كما في “بطاقة الأداء المتوازن” (Kaplan & Norton, 1996)، مع بناء نظام مرن للتكيف مع المتغيرات الجيوسياسية.

توصيات عملية لتحصين القرار الاستراتيجي وبناء دولة المؤسسات:

1. تطوير نظام وطني متكامل للتخطيط الاستراتيجي:

· إنشاء مجلس وطني للتخطيط الاستراتيجي تحت قيادة الدولة، يضم الخبراء المستقلين وممثلي المؤسسات الحيوية (الدفاع، الاقتصاد، الطاقة، التعليم).

· اعتماد منهجيات “التخطيط السيناريوي” لاستشراف المستقبل واختبار قرارات السياسات العامة أمام احتمالات متعددة.

· ربط الميزانيات السنوية بالأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، مع وجود آليات للمساءلة والمتابعة والتقييم الدوري، مستفيدين من مبادئ الإدارة الحديثة (Drucker, 1973).

2. بناء جدار الحماية المؤسسي للقرار الاستراتيجي:

· فصل عملية صناعة القرار الاستراتيجي عن التقلبات السياسية قصيرة الأجل، عبر تفويض الصلاحيات للهيئات والمجالس المتخصصة المعتمدة على البيانات والدراسات.

· إنشاء مراكز وطنية مستقلة للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية، مهمتها تحليل البيئة الإقليمية والدولية وتقديم رؤى استباقية مستندة إلى نظريات الجيوبوليتيك (Mahan, 1890; Mackinder, 1904).

· تأسيس نظام “مراجعة الأثر الاستراتيجي” لأي سياسة أو مشروع كبير، لقياس تداعياته على الأمن القومي والمصالح العليا.

3. تعزيز الحوكمة وربط الموارد بالمؤسسات:

· تحويل إدارة الموارد الاستراتيجية (طبيعية، بشرية، لوجستية) إلى مؤسسات وطنية محكمة تحكمها قوانين شفافة وآليات رقابية صارمة، متبعة معايير الحوكمة الرشيدة (مؤسسة التمويل الدولية، 2015).

· اعتماد معايير “الحوكمة الرشيدة” في جميع مؤسسات الدولة، مع التركيز على مبادئ الشفافية، المساءلة، المشاركة، وسيادة القانون.

· استثمار جزء من عوائد الموارد الطبيعية في بناء “صناديق ثروة سيادية” و”صناديق أجيال مستقبلية” تُدار بمعايير احترافية لضمان الاستدامة، كما تنصح نظريات التنمية المؤسسية (Acemoglu & Robinson, 2012).

4. تأهيل الإنسان وصناعة العقل الاستراتيجي:

· إدماج مبادئ الفكر الاستراتيجي والجيوبوليتيك والذكاء التنافسي في مناهج التعليم العالي وبرامج تأهيل القادة في الدولة.

· إنشاء أكاديميات وطنية متخصصة في فن التفاوض الدولي، وإدارة الأزمات المعقدة، وتحليل المعلومات الاستخباراتية المفتوحة، مع الاستفادة من دراسات صناعة القرار (Janis, 1972).

· بناء شراكات معرفية مع مراكز الفكر العالمية الرائدة، واستقطاب الكفاءات العالمية مع استثمار المواهب الوطنية.

5. توظيف القانون والأطر الدولية:

· مراجعة وتطوير التشريعات الوطنية (خاصة في مجالات الاستثمار، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، والبيئة) لمواءمتها مع التحديات المستقبلية وتعزيز المصلحة الوطنية.

· تدريب كوادر قانونية ودبلوماسية متخصصة في القانون الدولي وقواعد المنظمات العالمية، لتحويلها من أطر ملزمة إلى أدوات لتعزيز النفوذ وحماية المصالح.

· تفعيل آليات التحكيم الدولي والمحاكم المتخصصة كأدوات لحل النزاعات وتعزيز موقف الدولة في الساحة الدولية.

إن الطريق إلى القلب النابض للنظام الدولي ليس طريقًا مفروشًا بالموارد وحدها، ولا محروسًا بالمواقع الجغرافية فحسب، بل هو طريق يُبنى بالإرادة ويُعبّد بالمعرفة ويُضيء بالمؤسسات. إنها رحلة تحول كبرى: من رد الفعل إلى ابتكار الفعل، ومن ثقافة التسليم للجغرافيا إلى فن نحت إمكاناتها، ومن منطق الأزمة إلى رياضة الاستبصار. وكما يذكر بريجنسكي في تحليله للشطرنج الكبير، فإن “القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تشكيل البيئة الدولية لا مجرد الاستجابة لها” (Brzezinski, 1997).

لنكن واضحين: السيادة الحقيقية ليست في رفع الشعارات، بل في امتلاك القدرة المستقلة على الفهم، ثم القرار، ثم التنفيذ. والقوة الناعمة الأصيلة لا تنبع من الخطاب، بل من نموذج مؤسسي ناجح يجذب الاحترام ويولد التأثير. المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع في مختبرات التخطيط، وفي قاعات التحليل، وفي عقول تستوعب تعقيدات العالم لتنتزع منه فرصًا للنهوض.

فلنبدأ اليوم بتحويل المؤسسات من هياكل إدارية إلى خلايا ذكاء جمعي، ومن أجهزة تنفيذ إلى محركات ابتكار استراتيجي. لنحوِّل التخطيط من تقرير يُكتب إلى عقلية تُعاش، ولنجعل من الجغرافيا بوصلة قرارنا لا حدودًا لطموحنا. حينها فقط، سنرى دولة المؤسسات وقد أصبحت الجسر المتين الذي لا تعبر عليه فقط نحو الاستقرار، بل تنطلق منه بقوة لتشارك في رسم خريطة العالم الجديد. لأن الأمة التي تُحكم مؤسساتها، هي الأمة التي تُصاغ على مقاس إرادتها، لا على مقاس تقلبات الزمن.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى