من فهم تقليدي إلى وعي استراتيجي: أثر الجبايات على الزراعة ومستقبل الإصلاح الاقتصادي
بقلم : د. محمد صلاح على الفكى

من فهم تقليدي إلى وعي استراتيجي: أثر الجبايات على الزراعة ومستقبل الإصلاح الاقتصادي
من فهم تقليدي إلى وعي استراتيجي: أثر السياسات التحصيلية على الزراعة ومستقبل الإصلاح الاقتصادي
عندما يصبح “المستحيل” واقعًا
يُروى أن الإمام أبا حنيفة كان جالسًا مادًّا قدميه وسط طلابه، يدرّسهم الفقه، وفجأة دخل عليه رجل ذو هيبة ووقار. فعدّل الإمام جلسته احترامًا.
وفي أثناء النقاش، قال الإمام: “الصائم يفطر عند غروب الشمس”.
فسأله الرجل: “ولو الشمس ما غربت؟”
فرد الإمام ممازحًا: “يمد أبو حنيفة رجليه!” – إشارة إلى أن السؤال كان خارج حدود المنطق السائد في زمنه.
لكن مع تطور المعرفة واكتشاف مناطق لا تغرب فيها الشمس لأيام، أصبح هذا السؤال واقعيًا جدًا.
القصة هنا مجرد مدخل يوضح كيف أن بعض الأسئلة التي كانت تُستغرب سابقًا قد تصبح من صميم الواقع مع تغير الزمن.
بنفس الصورة، هناك سياسات اقتصادية قد تبدو منطقية في وقتٍ ما، لكنها تحتاج مراجعة جذرية عندما تتغير المعطيات والظروف.
تجربة واقعية: من قناعة التحصيل إلى صدمة الاكتشاف
في بداية التسعينات، كنا جزءًا من “تيم الجباية الموحد” المكوّن من إدارة الضرائب، ديوان الزكاة، المحلية، والبنك الزراعي.
كنا نتحرك بقناعة تامة أننا نؤدي دورًا وطنيًا مهمًا في تنمية إيرادات الدولة.
وكنا نسمع المزارعين يرددون مقولة:
“ثلث للطير، وثلث للإسبير، وثلث للزبير.”
كنا نعتبر هذا الكلام مجرد تذمر غير مبرر.
كنا نؤمن أن تحصيل الرسوم المتعددة والضرائب يخدم الدولة ويقوي الاقتصاد.
لكن بعد ما اطلعنا بعمق على الاستراتيجية الزراعية القومية، ودرسنا تجارب الدول الأخرى، بدأت الصورة تتضح:
· الطير يرمز للفقد الطبيعي في المحاصيل الزراعية.
· والإسبير هو تكاليف الزراعة الباهظة.
· أما الزبير، فهو نحن – فرق التحصيل.
اكتشفنا أن المنظومة الضريبية القائمة – من ضرائب ورسوم متعددة – كانت تشكل عبئًا ثقيلاً على المزارع، وتُعيق الزراعة بدل أن تدعمها.
ووعينا أن أحد أهم الأسباب التي دعت إلى عدم تنفيذ الاستراتيجية الزراعية كان الحاجة لمعالجة آثار هذه السياسات المالية الخاطئة.
تحليل الواقع: عبء ثلاثي وأزمة تنافسية
الواقع بيقول:
1. العبء الثلاثي: المنتج الزراعي كان يُرهق بالرسوم قبل الزراعة (على المدخلات)، وأثناءها (رسوم خدمات)، وبعد الحصاد (ضرائب وتسعير).
2. انسحاب المنتجين: كثير من المنتجين انسحبوا من القطاع أو تراجعوا عن الاستثمار فيه بسبب هزالة العائد.
3. الفجوة التنافسية: بينما معظم الدول المنافسة لنا عالميًا كانت تدعم الزراعة بكل السبل – بالإعفاءات الضريبية، والدعم المباشر، والتأمين على المحاصيل، والخدمات الميسرة، والبنية التحتية المجانية أو المدعومة.
4. تخريب المنافسة والاقتصاد القومي: يؤدي رفع التكاليف على المنتج الزراعي عبر هذا العبء المالي إلى إضعاف قدرته التنافسية في الأسواق العالمية، مما يحرم الاقتصاد القومي من تدفق العملة الأجنبية التي توفرها الصادرات. ببساطة، السياسات المالية التي تثقل كاهل المزارع تُعدّ تخريبًا للاقتصاد، لأنها تقتل أحد أهم روافد النقد الأجنبي وتعزز الاعتماد على الاستيراد.
5. التأثير غير المتكافئ: تَضُرُّ هذه المنظومة المالية بصغار المزارعين بشكل أقسى، نظرًا لعدم قدرتهم على توزيع التكاليف الثابتة على حجوم إنتاج كبيرة، مما يُسرّع من تآكل القاعدة الإنتاجية الصغيرة ويفسح المجال أمام التمركز والاحتكار، بينما تكتسب الوحدات الإنتاجية الكبيرة ميزات نسبية في مواجهة العبء المالي ذاته.
السؤال الاستراتيجي الجوهري:
هل دور الدولة فقط تحصيل الموارد؟
أم الأهم هو تحفيز الإنتاج الزراعي ليكون أساسًا للأمن الغذائي والتنمية المستدامة والتصدير؟
دروس من التجارب الدولية: الدعم كاستراتيجية وطنية
لقد أدركت الدول الناجحة أن الزراعة ليست نشاطًا اقتصاديًا عاديًا، بل هي قضية أمن قومي. ومن أبرز التجارب:
· دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة: تقدم دعماً هائلاً للمزارعين يشمل مدفوعات مباشرة مرتبطة بالاستدامة البيئية، ودعمًا للتأمين ضد المخاطر المناخية، وإعانات للبحث والتطوير. النتيجة: منتجات زراعية عالية الجودة وقادرة على المنافسة العالمية بفضل تخفيض تكاليف الإنتاج الفعلية على المزارع.
· التجربة البرازيلية: تحولت من مستورد للغذاء إلى أحد أكبر المصدرين في العالم عبر استثمار ضخم في البحث الزراعي (إمبرابا) لتطوير أصناف ومناطق متكيفة مع ظروفها، مدعومة بسياسات ائتمانية وتصديرية محفزة.
التجربة الصينية: قفزة نوعية في التنظيم والإنتاج
شكّلت الصين نموذجًا فريدًا في تحويل القطاع الزراعي عبر سلسلة من الإصلاحات المتدرجة والمركزة. انتقلت من نظام المزارع الجماعية إلى نظام “مسؤولية الأسرة” الذي منح المزارعين حافزًا أكبر، ثم رفعت الكفاءة عبر دمج الأراضي وخلق وحدات إنتاج أكبر. تم دعم هذا التحول باستثمارات ضخمة في البنية التحتية الريفية (طرق، ري، كهرباء) وتقديم إعانات مباشرة للمدخلات. الأهم من ذلك، أن الصين وظفت قدراتها التصنيعية الهائلة لدعم الزراعة عبر إنتاج آلات ومعدات زراعية محلية بأسعار معقولة، مما خفض تكاليف الميكنة بشكل كبير. هذا المزيج من الإصلاح المؤسسي والدعم المالي والتصنيع المحلي للأدوات كان عاملاً رئيسيًا في تحقيقها للأمن الغذائي.
الزراعة التعاقدية: نموذج ناجح لإدارة المخاطر وربط السوق
تعد الزراعة التعاقدية أحد أكثر النماذج نجاحًا عالميًا في تحقيق الاستقرار للمزارع وضمان جودة المنتج للمشتري. في هذا النظام، يتعاقد المزارع (أو تعاونيته) مع شركة أو جهة مشترية (قد تكون مصنعًا أو مصدرًا أو سلسلة بيع بالتجزئة) قبل الموسم على شراء كمية ونوعية محددة بسعر متفق عليه مسبقًا. فوائد هذا النموذج:
· للمزارع: يضمن سوقًا مضمونًا وسعرًا محددًا، مما يقلل من مخاطر التقلبات السعرية المفاجئة. غالبًا ما تقدم الشركة المشترية دعماً فنياً ومدخلات زراعية مضمونة الجودة، مما يرفع الإنتاجية.
· للمشتري/المصنع: يضمن توريدًا منتظمًا بمواصفات ثابتة تناسب متطلبات التصنيع أو التصدير، مما يسهل التخطيط والإنتاج.
· للاقتصاد الوطني: يحفز الإنتاج الموجه للسوق والتصنيع الزراعي، ويقلل الهدر، ويربط الإنتاج المحلي بسلاسل القيمة العالمية.
الحكمة المستفادة: يصعب -بل يستحيل- تسويق منتج زراعي محلي مرتفع التكلفة في وجه منتج عالمي مدعوم، ما لم تكن هناك سياسات حكيمة تعيد التوازن وتدعم المنتج المحلي من خلال نماذج مبتكرة كالتعاقد.
الزراعة الذكية: بوابة تقليل التكاليف وزيادة الجودة
لا يقتصر دعم الإنتاج على السياسات المالية فقط، بل يشتمل على تبني التقنيات الحديثة التي تخفض التكاليف وترفع الإنتاجية:
· الري الذكي: يوفر المياه ويقلل التكاليف ويحمي التربة.
· استشعار المحاصيل والتربة: يحدد الاحتياجات الدقيقة للمحاصيل، مما يقلل إهدار الأسمدة والمبيدات.
· التقنية الحيوية: تطوير أصناف مقاومة للأمراض والجفاف يقلل من الخسائر (“الطير”) ويوفر تكاليف المكافحة (“الإسبير”).
· منصات التسويق الإلكترونية: تقلل من الوسطاء وتوصل المنتج مباشرة للمستهلك، مما يزيد عائد المزارع.
توصيات عملية للإصلاح:
1. مراجعة شاملة للسياسات المالية: تحويل المنظور من “الأدوات الضريبية” إلى “التنمية”. إعفاء جذري للرسوم والضرائب على المدخلات الزراعية الأساسية والعمليات الإنتاجية.
2. تعميم نماذج الدعم الذكية: التحول من دعم عام غير مستهدف إلى دعم مرتبط بالإنتاجية والجودة والممارسات المستدامة، مع الترويج لنموذج الزراعة التعاقدية ودعم إنشاء التعاونيات القوية التي تتفاوض نيابة عن المزارعين.
3. حزمة تحفيز مالي وإداري: تبسيط إجراءات منح التراخيص الزراعية، وتسهيل الحصول على تمويل ميسر، وإنشاء صندوق لضمان المخاطر الزراعية.
4. الاستثمار في البنية التحتية والتقنية: بناء وتطوير الصوامع والمجمعات اللوجستية الباردة، وتشجيع تبني تقنيات الزراعة الذكية عبر حوافز ضريبية ودعم فني.
5. التكامل الرأسي: تشجيع إنشاء صناعات تحويلية زراعية محلية تضيف قيمة للمنتج الأولي وتوفر فرص عمل.
نحو نموذج تنموي جديد: من منطق الإيراد السريع إلى منطق الثروة المستدامة
الوعي الاستراتيجي علّمنا أن النجاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من دعم المنتج لا إرهاقه. إن التحدي ليس في زيادة الإيرادات المباشرة للخزينة على حساب تآكل القاعدة الإنتاجية، بل في بناء قاعدة إنتاجية زراعية قوية ومستدامة تكون مصدرًا للثروة والأمن الغذائي والعملة الصعبة.
هذا يتطلب انتقالاً استراتيجياً في منطق الدولة المالي: من التركيز على تحصيل الإيراد السريع عبر العبء على المنتج، إلى الاستثمار في بناء ثروة وطنية مستدامة. الإيراد الحقيقي والأعلى لا يُجبى من جيب المزارع المنهك، بل ينبع من قطاع زراعي قوي يولد الأمن الغذائي والعملة الأجنبية وفرص العمل. هذه الثروة المستدامة هي التي تضخ في النهاية إيراداتٍ أعلى وأكثر استقرارًا للخزينة العامة.
هذا يتطلب انتقالاً استراتيجياً في الرؤية: من دولة التركيز على التحصيل التي ترى في القطاع مصدراً للموارد المباشرة، إلى دولة الإنتاج التي تستثمر في تحفيز المزارع ورفع كفاءته، وصولاً إلى دولة القيمة المضافة التي تحول المنتج الخام إلى سلع مصنعة ومسوقة عالمياً.
أثر الإصلاح على الاقتصاد الكلي:
إصلاح السياسات المالية الزراعية ليس مجرد قرار قطاعي، بل هو مدخل استراتيجي للإصلاح الاقتصادي الشامل، يؤثر على:
· سعر الصرف: دعم الصادرات الزراعية وترشيد الاستيراد الغذائي يزيد من عرض العملة الأجنبية، مما يدعم استقرار سعر الصرف ويخفف الضغوط التضخمية.
· الميزان التجاري: تحويل الزراعة إلى قطاع تصديري قوي يحسن الميزان التجاري بشكل هيكلي، ويقلل العجز المزمن.
· الاستقرار الاجتماعي: تحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص عمل في الريف والتصنيع الزراعي يحد من الهجرة العشوائية ويسهم في استقرار المجتمع.
النموذج يرتكز على ثلاث دعامات:
1. الدعامة السياساتية: تحويل السياسات المالية من تركيز على التحصيل إلى تنموية داعمة.
2. الدعامة التقنية: دمج التقنيات الذكية في منظومة الإنتاج والتسويق.
3. الدعامة المؤسسية: بناء شراكات فعلية بين الدولة (ممثلة في البحث الزراعي والإرشاد) والمزارع (ممثلاً في التعاونيات) والقطاع الخاص (ممثلاً في التصنيع والتسويق)، مع تفعيل نماذج مثل الزراعة التعاقدية.
الزراعة الناجحة هي التي تُحرر طاقة المزارع وموارده من العبء المالي المتعدد ليتفرغ لمحاربة “الطير” و”الإسبير”، بمساعدة الدولة لا بعبئها.
لما الفهم يتغير، التغيير بيكون ممكن… وبيكون حقيقي.







