
ما يخصني لن يكون بدوني: من توليدو إلى غابات السودان
• السيدة هاريس تسكن أحد أحياء مدينة توليدو بولاية أوهايو الأمريكية. عادت إلى منزلها كما تفعل كل يوم، لكنها توقفت هذه المرة عند مشهد غير مألوف: علمٌ صغير مغروس في العشب أمام بيتها، وإشعارٌ مُعلّق على الباب.
• تمعّنت في التفاصيل لتشعر بأن قراراً ما قد اتُّخذ دون مشورتها.
• فقد كانت سلطات المدينة تعتزم زراعة شجرة أمام منزلها ضمن برنامج يهدف إلى توسيع الغطاء الشجري في المدينة بزراعة 1,500 شجرة.
• لم تكن هاريس ضد غرس الأشجار؛ على العكس، كانت تعشقها، وقد اختارت السكن في هذا الحي تحديداً لجماله الطبيعي.
• لكن ذلك العلم الصغير أعاد إليها ذكريات ثقيلة: جذور أشجار قديمة تشققت بسببها أساسات المنزل، وتعطلت أنابيب الصرف، وآلاف الدولارات دفعتها هي وزوجها لإزالة تلك الأشجار حمايةً لبيتهما.
• تمت الخطوة دون أي تشاور مسبق معها أو مع أسرتها.
• رفعت الهاتف، اتصلت، كتبت، وسألت عبر منصة «”توليدو”، ثم خاطبت عضو مجلس المدينة ولجنة التجميل الحضري معترضة على القرار ومطالبة بإيقاف التنفيذ.
• لكن الرد جاء واحداً في كل مرة: الشجرة ستُزرع… والعناية بها ستكون من مسؤوليتك.
• لم يكن غضب السيدة هاريس بسبب الشجرة، بل بسبب الفكرة: أن يُفرض القرار باسم البيئة، دون أن يُسأل الإنسان الذي سيعيش معه يومياً.
• قالت ببساطة: أنا لا أكره الأشجار… أنا أكره أن يُتخذ القرار عني دوني. فقد كانت ترى في الأمر أكثر من مجرد شجرة.
• كانت ترى غياب الحوار، وتهميش صوت السكان، الذين سيُطلب منهم كنس الأوراق وصيانة الأشجار بموارد محدودة.
• وهنا تتحول حكاية هاريس من خبر محلي عابر إلى سؤال أكبر: هل حماية البيئة تعني تجاوز الإنسان؟ أم تبدأ منه؟
• البيئة لا تُحمى بالأوامر، بل بالشراكة. ولا تُزرع الأشجار في الأرض قبل أن تُزرع الفكرة في عقول الناس.
• ومن هنا، يصبح شعار “ما يخصني لن يكون بدوني” الذي ترفعه حركة السودان الأخضر هنا في السودان، أكثر من عبارة، يصبح مبدأً أخلاقياً وإدارياً عالمياً.
• فالغابة التي لا يشعر أهلها بأنها تخصهم ستُقطع، والشجرة التي تُفرض ستُقاوَم، أما الشجرة التي تُناقَش ويُتَّفق عليها، فستُسقى وتُحمى وتُورَّث.
• حكاية السيدة هاريس تذكر بوضوح: البيئة بلا مشاركة جمالٌ هشّ، والتنمية بلا إنسان قرارٌ ناقص.
• المفارقة هنا لا تقوم بين حماية البيئة وحقوق المواطنة، بل بين منطقين مشروعين لم يلتقيا:
منطق سلطات الولاية التي تنظر إلى الأشجار بوصفها منفعة عامة وبنية تحتية بيئية ضرورية للصحة والمناخ.
ومنطق المواطن الذي لا يرفض الهدف، بل يطالب بحقه في التشاور حول قرار سيؤثر مباشرة على بيته وحياته اليومية.
• وعليه، فإن الخلل ليس في مبدأ حماية البيئة ذاته، بل في إدارة القرار بمعزل عمّن سيتحمل تبعاته.
• فالنجاح في مشاريع التشجير لا يتحقق بالرؤية البيئية وحدها، ولا بتجاهل هموم الناس اليومية، بل بالموازنة بين الحق العام وتجربة المواطن الفردية.
• فحين يُقصى الإنسان من القرار، تتحول القيم البيئية إلى سبب للمقاومة، بينما تضمن المشاركة المجتمعية استدامة المشاريع وحمايتها على المدى الطويل.
• وعلى هذا المنوال، يجري واقع حجز الغابات في السودان منذ العام 1926، عام بدء الحجز، وفق نهج ديمقراطي تشاوري شفاف يمتد من القاعدة إلى القمة.
• فإجراءات حجز الغابات في السودان تبدأ بإشراك الأهالي، والحصول على موافقة شيوخ القرى والعُمد والنُظّار والأمراء والسلاطين والشرتايات، إلى جانب المعتمدين على مستوى المحليات وسلطات الولايات.
• وتُستكمل الإجراءات على المستوى المركزي بإجراء قضائي يشمل تسويات الأراضي، وحفظ الحقوق، أو تعويضها عند الاقتضاء.
• ولا تقتصر أهمية هذا النهج على الجوانب الإجرائية وحدها، بل تنبع من طبيعة النشاط الغابي نفسه بوصفه نشاطاً طويل الأمد يمتد لسنوات، وربما لعقود.
• وبفعل هذا الامتداد الزمني، تصبح المشاركة والتراضي شرطين أساسيين لضمان الاستمرارية والاستقرار والاستدامة.
• فلا يمكن إنشاء غابة وحمايتها أو إدارتها بكفاءة من دون اتفاق واضح مع المجتمعات التي تعيش حولها وتتفاعل معها يومياً.
• وفي النهاية، لا يحمي البيئة من يُجيد إصدار القرارات، بل من يُجيد إشراك الناس فيها.
آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.







