مقالات

رؤية عمرانية: إعادة تعريف العاصمة وحدودها

بقلم : د. محمد صلاح على الفكى

رؤية عمرانية: إعادة تعريف العاصمة وحدودها

من مدينة منهَكة إلى عاصمة سيادية

تقدم هذه الرؤية تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة العواصم الوطنية، حيث تسعى لتحويل الخرطوم من مدينة تعاني من التمدد العشوائي والضغط السكاني غير المنضبط، إلى عاصمة سيادية تحقق معادلة ثلاثية الأبعاد: الجمال المنضبط، السيادة المحفوظة، والعدالة المكانية. هذا التحول ضرورة استراتيجية لإعادة التوازن الوطني وإنقاذ التنمية الإقليمية من ديكتاتورية المركز، ويعود بالنفع على التنمية بالبلاد ككل.

أولاً: الإطار النظري الحاكم للرؤية

1. العاصمة كأصل استراتيجي (Capital as a Strategic Asset)

في أدبيات الإدارة الاستراتيجية الحديثة، لم تعد العاصمة مجرد حيّز جغرافي أو تجمع سكاني، بل تُدار بوصفها أصلًا استراتيجيًا سياديًا له قيمة رمزية واقتصادية وسياسية عالية، ويخضع لمعادلات الندرة والاستدامة. فالعواصم، بحكم مركزيتها وتاريخها وموقعها، موارد محدودة الاستيعاب، وأي توسع غير منضبط فيها يُفقدها ميزتها التنافسية ويحوّلها من رافعة للدولة إلى عبء عليها.

1.1 مؤشر قدرة الاستيعاب الحضري:

إنشاء مؤشر علمي للخرطوم يحدد الحد الأقصى للكثافات السكانية والوظيفية بناءً على الدراسات البيئية والبنية التحتية المتاحة، مع آلية مراجعة ربع سنوية.

1.2 نموذج الحوكمة المتدرجة للملكية:

تصنيف الأراضي إلى:

· مناطق السيادة المطلقة (تملك سوداني خالص)

· مناطق الاستثمار الموجه (شروط استثمارية صارمة)

· مناطق التملك المشروط (للأجانب خارج النطاق السيادي المركزي)

تؤكد نظرية Resource-Based View أن الموارد النادرة وعالية القيمة تحتاج إلى أنظمة حوكمة صارمة تحميها من الاستنزاف، وهو ما ينطبق تمامًا على العاصمة. إدارة الندرة (Scarcity Management) هنا لا تعني الإقصاء، بل تعني مواءمة الوجود البشري والوظيفي مع قدرة المدينة على الاحتمال، وضبط التملك، والإقامة، وأنماط الاستهلاك والخدمات بما يعكس قيمة المكان لا كثافته العددية.

تجارب مثل سنغافورة، وطوكيو، ولندن، تُظهر أن قوة العاصمة لا تأتي من عدد سكانها، بل من وضوح وظيفتها، وانضباط استخدامها، وارتفاع كلفة الوجود غير المنتج فيها.

2. الجمال كتكلفة وليس منحة (Beauty Has a Price)

في الاقتصاد الحضري، يُعد الجمال الطبيعي، والموقع النيلي، والبعد التاريخي، عناصر تُدخل المدينة في دائرة القيمة المضافة غير المباشرة. هذه القيمة لا يجوز أن تتحول إلى ريع مجاني، بل يجب استرداد جزء منها لصالح المجتمع عبر أدوات مالية ذكية.

هنا يبرز نموذج Value Capture Finance، الذي تطبقه مدن عديدة لاسترداد العائد الناتج عن التخطيط والبنية التحتية والموقع، وليس عن جهد الفرد وحده. فارتفاع قيمة الأرض في شارع النيل أو المقرن ليس نتيجة استثمار خاص فقط، بل نتيجة قرار عام، وتاريخ، ومورد طبيعي مشترك.

2.1 صندوق الجمال الحضري الوطني:

يُموَّل من:

· ضبط بيع الأراضي و30% من عوائد تأجير الأراضي في النطاق السيادي

· ضريبة ترفيه سياحية بنسبة 5% على الخدمات الفاخرة

· رسوم التصوير التجاري في المواقع التاريخية والطبيعية

2.2 نظام التأمين الجمالي:

يلتزم المطورون العقاريون بتخصيص نسبة لا تقل عن 15% من مشاريعهم للحدائق والمساحات العامة، أو دفع بدل نقدي يعادل ذلك للصندوق.

تجارب مثل إعادة تطوير واجهات الأنهار في باريس، ونظام الضرائب العقارية المتدرج في لندن، ورسوم الخدمات الحضرية في سنغافورة، تؤكد أن الجمال ليس حقًا مجانيًا، بل امتياز حضري يقابله التزام مالي وأخلاقي بالحفاظ عليه.

3. ضبط الملكية العقارية وسيادة الأرض

تمثل الأرض في العواصم عنصرًا من عناصر السيادة الوطنية، وليس مجرد سلعة عقارية. لذلك تتبنى دول عديدة سياسات تُعرف بـ National Land Sovereignty Policy، تُقيّد أو تنظم تملك الأجانب في النطاقات السيادية الحساسة، خاصة في العواصم.

قصر ملكية الأراضي الأساسية في الخرطوم على السودانيين، مع فتح بدائل منظمة لتملك الأجانب في مناطق مخططة خارج النطاق المركزي في شكل مجمعات سكنية بمواصفات عالمية بمدة إيجارية 99 عاماً متاح فيها حق التملك للسودانيين، لا يتعارض مع الانفتاح الاقتصادي، بل يحمي التوازن الاجتماعي والأمني والسكاني.

3.1 السجل الوطني للتملك الرقمي:

سجل موحد يرتبط بشريحة الهوية الوطنية، ويحدد نصيب الفرد والكيان القانوني من الملكية في النطاق السيادي، لمنع الاحتكار.

3.2 نموذج الاستثمار بلا تملك:

للأجانب في المناطق الحساسة، عبر عقود إيجار طويلة الأجل (99 سنة) ومجمعات سكنية بمواصفات عالمية مخدمة مع المراقبة الأمنية الاستثمارية وشروط صارمة للحفاظ على الهوية المعمارية والبيئية.

كما هو الحال في سويسرا (قيود صارمة على تملك الأجانب)، أستراليا (مراجعة اتحادية لتملك غير المواطنين)، ودول شرق آسيا التي تميّز بين الاستثمار والتملك السيادي.

ثانيًا: الخرطوم كعاصمة سيادية لا مدينة معيشية

4. الفصل الوظيفي للمدن (Functional Urban Segregation)

من أخطر الأخطاء التخطيطية في الدول النامية تحميل العاصمة كل الوظائف: إدارة، إنتاج، تعليم، تجارة، صناعة، وسكن جماهيري. التخطيط الحضري الحديث يدعو إلى الفصل الوظيفي المتكامل، حيث تُخصص كل مدينة أو إقليم لوظائفه الطبيعية.

وفق هذا المنطق، تُعاد صياغة الخرطوم كعاصمة سيادية، سياحية رمزية، ويُبرر ذلك نقل المصانع والمناطق الصناعية إلى مواقع الإنتاج، والأسواق المركزية وأسواق الجملة، والأنشطة التجارية الكثيفة والعشوائية.

4.1 تحويل النسيج التجاري العشوائي:

إزالة الأسواق المركزية وأسواق الجملة والمحلات التجارية والخدمية التقليدية والأنشطة العشوائية غير المرخصة، واستبدالها بمراكز تسوق بمواصفات عالمية ومطاعم ومقاهي وكافيهات مرتبطة بمراكز التسوق، تعمل بنظام متكامل يلبي احتياجات السكان والزوار في بيئة منظمة وجميلة.

4.2 خارطة التخصص الوظيفي الوطني:

تحدد بوضوح:

· الخرطوم: العاصمة السيادية

· بورتسودان: العاصمة اللوجستية والدبلوماسية والتجارية

· كردفان: الإنتاج الحيواني

· دارفور: العاصمة السياحية الصحراوية والطاقة المتجددة

4.3 ضريبة الوظيفة غير المتوافقة:

تطبق على الأنشطة التجارية والصناعية التي تبقى داخل النطاق السيادي للخرطوم بعد فترة سماح محددة.

هذا النموذج مطبق بوضوح في باريس (نقل الصناعات خارج الإقليم المركزي)، برلين (فصل العاصمة السياسية عن مراكز الصناعة)، وكوالالمبور بعد إنشاء بوتراجايا.

5. منع الهجرة التعليمية

تشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن التمركز الجامعي في العواصم من أكبر مولدات الهجرة الداخلية والضغط على السكن والخدمات. الحل ليس في إغلاق التعليم، بل في إعادة توزيعه جغرافيًا ووظيفيًا.

الإبقاء على عدد محدود من الجامعات البحثية المتميزة في الخرطوم، بقبول محدود وتكلفة حقيقية، يحفظ للعاصمة بعدها الأكاديمي، دون تحويلها إلى مدينة طلابية جماهيرية. في المقابل، يُعاد توطين الجامعات الحكومية والخاصة في الولايات، حيث تتوفر الأرض، تنخفض التكلفة، وترتبط المعرفة بالإنتاج المحلي.

5.1 مراكز الامتياز الوطنية:

تحويل 3 جامعات بحثية فقط في الخرطوم إلى مراكز امتياز وطنية، مع قبول لا يتجاوز 1000 طالب سنوياً موزعين على مدن الخرطوم الثلاث لكل منها، ورسوم تعكس 99.5% من التكلفة الحقيقية وتخصيص مقاعد للأجانب للاستثمار بالعملة الأجنبية وتوسعة فرص التعليم العالي بالولايات ودعم الجامعات بالولايات الإنتاجية وتشييد مدن جامعية للتعليم الجامعي الخاص والحكومي بالولايات.

5.2 مبادرة جامعات الإنتاج:

تخصص كل ولاية جامعة ترتبط بقطاعها الاقتصادي الرئيسي (زراعة، تعدين، سياحة).

وهو ما نجحت فيه دول مثل ألمانيا (توزيع الجامعات على الأقاليم)، كندا، والصين.

ثالثًا: التحول السياحي والبيئي للخرطوم

6. حزام الجمال السيادي (توتي – المقرن – شارع النيل)

تشكل المناطق النيلية قلب الهوية الجمالية للخرطوم. تحويلها إلى شريط سياحي بيئي متكامل، يضم حدائق عامة، متاحف، فنادق، مسارات مشاة، ومحميات طبيعية، يعيد ربط المدينة بنهرها، ويخلق اقتصادًا سياحيًا مستدامًا.

6.1 مشروع النيل الأخضر:

على ثلاثة محاور:

· المحور البيئي: إنشاء حزام أخضر بعرض 500 متر على ضفتي النيل

· المحور الثقافي: متاحف مفتوحة تعرض تاريخ النيل والحضارات السودانية

· المحور الاقتصادي: مرافق سياحية راقية تديرها شركات وطنية بمواصفات عالمية

6.2 التذاكر السياحية المتكاملة:

تتيح تجربة النقل النهري، زيارة المتاحف، والاستمتاع بالمرافق الترفيهية ضمن باقة واحدة، بإدارة رقمية.

تجارب إعادة تطوير الواجهات النهرية في نهر السين (باريس)، نهر التايمز (لندن)، ونهر الراين (ألمانيا)، تثبت أن الاستثمار في الجمال العام يعود بعوائد اقتصادية تفوق بكثير العوائد العقارية العشوائية.

7. إعادة تأهيل المطار كمتنفس طبيعي

تحويل مطار الخرطوم إلى حديقة حضرية كبرى، كما حدث في Tempelhofer Feld في برلين، يمثل نقلة نوعية في مفهوم الفضاء العام. هذه المساحات لا تخدم الترفيه فقط، بل تحسّن الصحة العامة، تخفف الضغط البيئي، وتعزز الهوية الحضرية.

7.1 تصميم الحديقة الشاملة:

على أربعة أقسام:

· قسم للرياضة والأنشطة الشبابية

· قسم عائلي بمرافق ترفيهية آمنة

· قسم بيئي تعليمي (حدائق نباتية، محميات طيور)

· قسم ثقافي (مسارح مفتوحة، معارض فنية)

رابعًا: العدالة المالية بين المركز والأقاليم

8. مبدأ “الخرطوم تدفع ثمن امتيازها”

في الإدارة العامة الحديثة، يُعد تحميل العاصمة تكلفة امتيازها تطبيقًا عمليًا للعدالة المالية. اللامركزية المالية لا تعني تفتيت الدولة، بل تعني ربط الاستفادة بالمسؤولية.

فرض رسوم خدمات كاملة، ضرائب حضرية، تكلفة حقيقية للكهرباء والنفايات والنظافة، ورسوم دخول أو عبور للسلع، ممارسات معمول بها في مدن عالمية كبرى، وتمنع أن تتحول العاصمة إلى عبء ممول من أقاليم أفقر.

8.1 بطاقة المقيم السيادي:

تحدد حقوق وواجبات سكان الخرطوم، بما في ذلك سداد تكلفة الخدمات كاملة، مع عدم وجود نظام دعم مباشر للفئات الهشة، أي تحويل الدعم الموجه إلى سكان ولاية الخرطوم من الزكاة وغيرها لتوفيق أوضاع الفئات الهشة الراغبة في نمط معيشي أفضل بمناطق الإنتاج.

8.2 نقاط التفتيش الاقتصادية:

على مداخل الخرطوم، تفرض رسوماً على الشاحنات التجارية (نسبة من قيمة البضاعة)، السيارات الخاصة غير المسجلة في الولاية (رسوم دخول يومية)، ومواد البناء الداخلة للنطاق السيادي.

9. إعادة التوازن التنموي

إعفاء الولايات من أعباء لا تتناسب مع دورها، وتوجيهها للإنتاج، والتعليم، والمعيشة، يعيد التوازن الوطني، ويوقف النزوح، ويحوّل التنمية من خطاب سياسي إلى واقع جغرافي.

9.1 المعاملة التفضيلية للولايات:

حيث تعفى من الضرائب العقارية، وتحصل على دعم بنسبة 50% من تكلفة البنية التحتية التعليمية، وتُمنح أولوية في المشاريع الاستثمارية الوطنية.

خامسًا: المدينة الإدارية خارج الخرطوم

10. نقل الوزارات والمرافق الإدارية

إنشاء مدينة إدارية ومالية متكاملة خارج الخرطوم أداة استراتيجية لفك الاختناق التاريخي.

10.1 المدينة الذكية المتكاملة:

تصميم يشمل مجمع وزارات متصل بشبكة نقل سريع، سكن موظفين بأسعار مدعومة، مستشفى تخصصي عالمي، مراكز أبحاث وطنية، وغيره.

10.2 سندات التنمية الإقليمية:

تمويل المشروع عبر سندات تُباع للمواطنين والمؤسسات الوطنية، بضمان عوائد المشروع المستقبلية.

تجارب بوتراجايا (ماليزيا)، سيجونغ (كوريا الجنوبية)، والعاصمة الإدارية في مصر، تؤكد أن نقل الإدارة يعيد للعاصمة رمزيتها، ويخلق أقطاب نمو جديدة. تمويل هذه المدينة من دخل ولاية الخرطوم، مقابل احتفاظها بالمركز السيادي، يحقق عدالة داخلية بين الولايات.

الإطار التنفيذي والمالي المتكاملك

أولاً: كلفة الإقامة كأداة تنمية وطنية

إن ارتفاع تكلفة الإقامة والخدمات في الخرطوم ليس هدفاً في ذاته، بل وسيلة استراتيجية لإعادة توجيه الموارد والطاقات نحو الإنتاج الحقيقي في الأقاليم. فالعاصمة، بوصفها نطاقاً سيادياً محدود الاستيعاب، يجب أن تعكس كلفة الوجود فيها القيمة الحقيقية للخدمات والجمال والبنية التحتية، بينما يُعاد توظيف العائد المتحقق من هذه الكلفة في دعم التنمية الشاملة بالبلاد.

11.1 التمويل التنموي المعاد تدويره:

تُوجَّه حصيلة الضرائب والرسوم الحضرية المرتفعة في الخرطوم إلى:

· دعم مشروعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي في الولايات.

· تمويل البنية التحتية ومرافق السكن والتعليم والصحة في مناطق الإنتاج.

· تمكين المواطنين الراغبين في الإسهام المباشر في عجلة الإنتاج الوطني من الانتقال الطوعي إلى مناطق الإنتاج.

11.2 دعم الفئات الهشة الانتقالية:

تُعاد توجيه دعم الفئات الهشة من سكان الخرطوم غير القادرة على تحمل كلفة الإقامة المرتفعة، والراغبة في تحسين أوضاعها المعيشية عبر العمل والإنتاج، من خلال:

· تحويل موارد الزكاة والدعم الاجتماعي لتوفير مساكن مريحة ومخططة في مناطق الإنتاج.

· استبدال الإعانات الاستهلاكية داخل العاصمة بتمكين اقتصادي حقيقي في مناطق الإنتاج.

· تحرير مساكنهم داخل الخرطوم لصالح توسيع الحيز السيادي العمراني وإعادة توظيف الأراضي للتخطيط الحضري والمساحات الخضراء، مما يقلل الاكتظاظ السكاني ويُحسّن جودة الحياة الحضرية.

ثانياً: النظام الضريبي وتوثيق الإيجارات

تتطلب هذه الرؤية بناء نظام ضريبي قوي وصارم وشفاف، يعتمد على التحصيل الفعلي لا التقديري.

12.1 توثيق عقود الإيجار:

إلزامية توثيق جميع عقود الإيجار عبر المحليات، مع ربط البيانات بين المحليات والجهات المركزية لضمان الشفافية والرقابة.

12.2 تحصيل ضرائب الإيجار:

· تحصيل ضرائب الإيجار من السودانيين بالعملة المحلية.

· تحصيل إيجارات وضرائب تملك أو استثمار الأجانب بالعملة الصعبة (الدولار).

12.3 التحصيل الصارم للضرائب:

تطبيق نظام ضريبي متكامل يشمل ضرائب على الخدمات والسلع والأنشطة التجارية داخل النطاق السيادي، مع آليات رقابية صارمة لمنع التهرب الضريبي.

هذا النظام يحقق عدالة مالية، ويمنع التهرب، ويحوّل القطاع العقاري من اقتصاد ظل إلى مورد سيادي منضبط، ويمول التحول العمراني الشامل.

نحو عقد اجتماعي حضري جديد

إن تحويل الخرطوم إلى عاصمة سيادية جميلة ليس مشروعاً عمرانياً فحسب، بل هو إعادة صياغة للعقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، وبين المركز والأقاليم. إنه انتقال من نموذج “الحق في المدينة” بمعناه الكمي العشوائي، إلى نموذج “المسؤولية تجاه المدينة” بمعناه النوعي المنضبط.

هذه الرؤية تقترح تحولاً جوهرياً في ستة مستويات:

1. على مستوى الهوية: من مدينة افتراضية تجمع كل شيء، إلى عاصمة سيادية ترمز لشيء واحد: الدولة.

2. على مستوى الاقتصاد: من اقتصاد الريع العقاري والعشوائية التجارية، إلى اقتصاد القيمة المضافة عبر السياحة والثقافة والخدمات الراقية.

3. على مستوى العدالة: من مركزية تستنزف الأقاليم، إلى توازن يعيد لكل إقليم حقه في التخصص والتنمية.

4. على مستوى الإدارة: من بيروقراطية مترهلة في مدينة مختنقة، إلى حوكمة متوازنة في فضاءات مخططة.

5. على مستوى الجمال: من مساحة مستباحة للبناء العشوائي، إلى تراث وطني محفوظ ومُدار كأصل استراتيجي.

6. على مستوى المستقبل: من مدينة ترهق الحاضر، إلى عاصمة تستثمر في مستقبل الأجيال.

الطريق طويل وشاق، ويتطلب إرادة سياسية لا تتردد، وقدرة فنية لا تخطئ، وشراكة مجتمعية لا تتخاذل. لكن الثمن، رغم ارتفاعه، يبقى أرخص من تكلفة الاستمرار في النموذج الحالي: تكلفة الاختناق، والاستنزاف، والظلم المكاني، وفقدان الهوية.

الخرطوم الجميلة حق للدولة في أن يكون لها وجه يليق بها، وحق للأقاليم في أن تنمو بعيداً عن ظله الطويل. إنها رؤية تستحق الجهد، لأنها في النهاية، ليست مجرد تخطيط لعاصمة، بل إعادة تخطيط لمستقبل وطن.

إن نجاح الرؤية العمرانية للخرطوم مرهون بقدرتها على تحويل المدينة من مستهلك للموارد إلى مولّد منظم للثروة الوطنية، ومن مركز جذب طفيلي إلى رافعة تنموية عادلة تخدم الوطن بأقاليمه كافة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى