مقالات

أسس بناء مشروع الجزيرة: رؤية استراتيجية لإعادة بناء العلاقة بين الأرض والمزارع والدولة

بقلم  : د. محمد صلاح علي الفكي

 

أسس بناء مشروع الجزيرة: رؤية استراتيجية لإعادة بناء العلاقة بين الأرض والمزارع والدولة

لم تكن أزمة مشروع الجزيرة في جوهرها أزمة إنتاج أو تمويل، بل أزمة علاقة مختلّة بين الأرض والمزارع والدولة، اختلطت فيها الأدوار، وتضاربت القوانين، وغابت الحوكمة، فاختنق المشروع رغم ما يملكه من مقومات نادرة. إن أي حديث عن الإصلاح لا يبدأ من الملكية وحدها، ولا من التمويل فقط، بل من إعادة تعريف هذه العلاقة على أساس الشراكة والعدالة والكفاءة المؤسسية، بما يضمن حقوق الأطراف كافة ويحقق الاستدامة الإنتاجية. ويُقصد بالشراكة هنا شراكة في المخاطر والعائد والإدارة، لا في نزع الملكية ولا في إلغاء الدور السيادي للدولة، بل في تنظيم العلاقة الإنتاجية بما يخدم الصالح العام.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة بناء مشروع الجزيرة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد، ومن منطق السيطرة الإدارية إلى منطق الشراكة الإنتاجية، ومن المعالجات الظرفية إلى الإصلاح المؤسسي طويل الأمد.

شهد المشروع خلال العقود الماضية تراكمًا تشريعيًا غير منسجم، أفرز تضاربًا بين القوانين واللوائح، وأضعف القدرة على اتخاذ القرار، وأربك العلاقة بين المزارع والإدارة والدولة. هذا التعقيد لم يكن محايدًا، بل انعكس مباشرة على الإنتاج والتمويل وإدارة المياه وحماية الأصول، وفتح الباب لتعديات عمرانية ونزاعات ملكية وممارسات اضطرارية فرضتها الحاجة لا الخيار، فانتقل المزارع من موقع الشريك المنتج إلى موقع المتهم أو المخالف بحكم الواقع.

وأمام هذا الواقع، برز اتجاه فكري رشيد يرى أن جوهر الأزمة ليس في الأشخاص ولا في تبديل الإدارات، بل في البنية القانونية والمؤسسية التي تحكم المشروع، وأن أي معالجة لا تنفذ إلى هذا المستوى ستعيد إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة وتكلفة أعلى.

تُعد مسألة الأرض من أكثر القضايا حساسية في مشروع الجزيرة، لا لارتباطها بالملكية فحسب، بل لأنها تمثل مصدر الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمزارع. فالنقاش حول نزع الملكية أو تثبيتها بصورتها التقليدية يظل نقاشًا ناقصًا ما لم يُدرج ضمن إطار مؤسسي واضح يوازن بين حق المزارع، ومصلحة الدولة، واستدامة المشروع كوحدة إنتاجية قومية. فالتجارب الدولية الناجحة لم تتعامل مع الأرض كأداة صراع سياسي أو اجتماعي، بل كعنصر إنتاج تُنظم ملكيته أو حقوق الانتفاع به ضمن منظومة قانونية مستقرة تمنع التفتيت، وتحمي الاستخدام الزراعي، وتضمن العدالة والاستمرارية.

ومشروع بهذا الحجم والتعقيد لا يمكن أن يُدار بأدوات عامة أو هياكل تقليدية. خصوصيته الإنتاجية، وتشابك المصالح داخله، وتعدد الفاعلين فيه، كلها تستدعي أجهزة عدلية وإدارية متخصصة تفهم طبيعة المشروع، وتحسم النزاعات بسرعة، وتحمي الأصول، وتضبط العلاقة بين القانون والواقع، بما يمنع التوسع في التجريم ويعيد الاعتبار للإنتاج كقيمة عليا.

كما أن التجربة أثبتت فشل بعض الهياكل التنظيمية التي أُنشئت دون قراءة دقيقة للسياق الاجتماعي والفني للمشروع، فاستُنسخت نماذج إدارية لم تُصمم لبيئة ريّ معقدة ولا لمجتمع زراعي كثيف، فكانت النتيجة مزيدًا من التعقيد لا الإصلاح.

أما على مستوى التمويل، فقد أثبت الواقع أن تحميل المزارع أعباء التمويل التجاري أو التمويل الأصغر في مشروع بحجم الجزيرة يفقد العملية الإنتاجية استقرارها، ويُغرق المزارع في المديونية، ويدفعه إلى سلوكيات اضطرارية. ففي التجارب العالمية، وعلى رأسها التجربة الصينية، لم تُدار الزراعة بمنطق السوق المجرد، بل بدور فاعل للدولة كمموّل استراتيجي، يوفّر التمويل، ويضمن التسويق، ويربط الإنتاج بالتصنيع، ويضبط المخاطر عبر الحوكمة، لا عبر ترك المنتج وحيدًا أمام تقلبات السوق.

وفي هذا السياق، تبرز إدارة المياه كقضية محورية لا يجوز التعامل معها ضمنيًا، فمشروع الجزيرة في جوهره مشروع ريّ، واستدامته مرهونة بإدارة علمية دقيقة للمياه، تربط بين الصيانة، والتوزيع العادل، والدورة الزراعية، والتغيرات السكانية والمناخية، ضمن إطار مؤسسي واضح لا يخضع للاجتهادات الفردية.

التجارب العالمية: حين تقود المعرفة الإنتاج

في التجربة الصينية، لم تُترك الزراعة للصدفة، بل بُنيت على منظومة متكاملة قوامها الزراعة التعاقدية التي تضمن للمزارع السوق والسعر، والمدارس الحقلية التي تنقل المعرفة إلى الحقل لا إلى القاعات، والتكامل بين البحث العلمي والإرشاد والتمويل والتسويق في إطار واحد. كما أثبتت تجارب آسيوية وأفريقية ناجحة أن الجمعيات التعاونية الحقيقية، لا الشكلية، تمثل العمود الفقري لحماية صغار المنتجين وتعزيز قدرتهم التفاوضية واستقرارهم الاقتصادي.

إن إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمزارعين في مشروع الجزيرة تستدعي الانتقال من منطق الإيجار إلى منطق الشراكة، شراكة تُوزّع فيها المخاطر والعوائد بوضوح، وتُحدّد فيها الأدوار بدقة، وتُربط فيها المسؤولية بالإنتاج لا بالانتماء الإداري. وهذه العلاقة لا تُفرض بقانون معزول، بل تُبنى تدريجيًا عبر تشريعات مرنة، ومؤسسات قوية، وحوار مجتمعي واسع، يُدار بوعي بالمخاطر المحتملة، مثل مقاومة التغيير، وتعقيدات المصالح، ومخاطر التمويل الحكومي إن غابت الحوكمة الرشيدة.

توصيات :

1.إعادة صياغة الإطار القانوني لمشروع الجزيرة على أساس الشراكة الإنتاجية، مع تحديد واضح لمجالات الشراكة وحدودها.

2.إنشاء جهاز عدلي وإداري متخصص بقضايا المشروع، لضمان سرعة الفصل وحماية الأصول.

3.اعتماد الدولة كمموّل استراتيجي للإنتاج الزراعي بالمشروع، وفق آليات حوكمة صارمة.

4.تمكين الجمعيات التعاونية الزراعية الحقيقية كأداة تنظيم ودعم أساسية.

5.اعتماد الزراعة التعاقدية وربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق.

6.إدخال المدارس الحقلية كمنهج دائم لبناء قدرات المزارعين.

7.حماية أصول المشروع ومنع التعديات السكنية بقوانين واضحة وعادلة.

8 .تنظيم مسألة الملكية وحق الانتفاع بما يضمن الاستدامة ويمنع التفتيت.

9.اعتماد دورات زراعية متعددة (ثلاث عروات) وفق دراسات علمية دقيقة وإدارة مائية رشيدة.

10.توسيع الحوار المجتمعي للوصول إلى توافق مستدام حول مستقبل المشروع، مع ترتيب الإصلاحات وفق أولويات زمنية واضحة (عاجلة، متوسطة، طويلة المدى).

مشروع الجزيرة ليس مجرد أرضٍ تُزرع، بل منظومة حياة واقتصاد وكرامة. وإعادة بنائه ليست قرارًا إداريًا عابرًا، بل خيار حضاري يعكس كيف ترى الدولة مزارعيها، وكيف تُدار الموارد، وكيف تُصاغ العلاقة بين الإنسان والأرض. فحين تُبنى هذه العلاقة على الشراكة والعدالة والمعرفة، تتحول الأرض من عبءٍ متنازع عليه… إلى مصدر نهضة مستدامة، ويغدو المزارع بطلًا صامتًا أوقد صدره مصباحًا حين طال الليل.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى