التحول المؤسسي: من الوظائف الشبحية ذات الأثر غير الملموس إلى منظومة القيمة المضافة
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

التحول المؤسسي: من الوظائف الشبحية ذات الأثر غير الملموس إلى منظومة القيمة المضافة
نحو نموذج وظيفي حوكمي قائم على الجدارات والأثر: معالجة مؤسسية شاملة للوظائف عديمة القيمة المضافة
تشكل الوظائف الشبحية في مؤسسات الدولة الحديثة إشكالاً بنيوياً يعكس أزمة عميقة في فلسفة الخدمة المدنية المعاصرة. فالوظيفة التي تستهلك موارد عامة دون إنتاج أثر قابل للقياس، وتستمر بفعل القوانين والأعراف لا بفعل الحاجة التنموية، تمثل انفصالاً ثلاثياً بين الوظيفة والغاية، وبين الجهد والأثر، وبين المؤهل والقدرة التنفيذية. وتتعمق هذه الأزمة حين يُموَّل غياب الأثر عبر الميزانيات العامة، ويُصاحب بمنح امتيازات مادية ومعنوية، من تذاكر سفر وبدلات ضيافة ومخصصات متنوعة، دون مساءلة حقيقية عن النتائج المتحققة، فتتحول الوظيفة من أداة لخدمة المجتمع إلى “مشروع إعاشة” مؤسسي يكرس ثقافة الحقوق المجردة عن المسؤوليات.
للتغلب على هذا الخلل، نقترح نموذجاً تحليلياً متكاملاً لفعالية الوظائف العامة، يجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة: الهيكلي والمؤسساتي، والكفائي والبشري، والقيمي والتنمية الاجتماعية. ويتجسد هذا النموذج في العلاقة: فعالية الوظيفة = البعد الهيكلي × البعد الكفائي × البعد القيمي. ويعكس البعد الهيكلي وضوح الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار، وانسجام الوظيفة مع الأهداف الاستراتيجية العليا، وشفافية العمل وإمكانية التتبع والمراجعة المستقلة. أما البعد الكفائي فيركز على الجدارات والمهارات والقدرة على الابتكار والتطوير المستمر. بينما البعد القيمي يشمل المساءلة والارتباط بالأثر الاجتماعي والاستدامة في استخدام الموارد.
ولتوفير تقييم موضوعي وداعم للقرار، يمكن صياغة المعادلة الرياضية للفعالية: كفاءة الوظيفة = (القيمة المضافة × مساءلة الأداء) ÷ التكلفة المجتمعية، حيث تعكس القيمة المضافة الأثر الفعلي للوظيفة على المجتمع، والمسؤولية مدى ارتباط النتائج بالمهام المكلفة، والتكلفة المجتمعية الموارد المستهلكة. توضح المعادلة أنه كلما زادت القيمة المضافة ومسؤولية الأداء، وقلّت التكلفة، ارتفعت كفاءة الوظيفة، ما يجعل التقييم موضوعياً وشفافاً.
يتعمق هذا النموذج الرياضي من خلال مكوناته التفصيلية:
· القيمة المضافة = (الأثر الكمي × معامل الجودة) + (الأثر النوعي × معامل الاستدامة)
· مساءلة الأداء = (وضوح المؤشرات × انتظام التقييم) × (شفافية النتائج × فاعلية التصحيح)
· التكلفة المجتمعية = التكاليف المباشرة + (التكاليف غير المباشرة × معامل الفرصة البديلة)
يتم التطبيق عبر نظام تقييم متكامل يعتمد على مؤشرات كمية ونوعية مثل الربط الاستراتيجي، وعائد الاستثمار الوظيفي، ورضا المستفيدين المباشرين، ومؤشرات الابتكار المؤسسي والاستدامة، حيث يمكن تحويل هذا النموذج الرياضي إلى نظام رقمي محوسب يقدم مزايا استثنائية تشمل الشمولية والتغطية الكاملة لجميع الوظائف الحكومية في وقت قياسي، والموضوعية العلمية عبر القضاء على التحيز الذاتي، والديناميكية والمرونة في التكيف مع المتغيرات، والتكامل المؤسسي مع قواعد البيانات الحكومية المختلفة، والتنبؤ والاستباقية باستخدام التحليلات التنبؤية، والمقارنة المعيارية بين الوظائف المماثلة، وتوفير الوقت والجهد باختصار زمن التقييم من أشهر إلى دقائق، والشفافية الكاملة عبر سجل رقمي دائم، والتخصيص الذكي لتوليد توصيات مخصصة، والاستمرارية والرقابة المستمرة دون الحاجة لحملات تقييم موسمية.
ويشمل ذلك تشخيص الوضع الحالي لجميع الوظائف، وتصنيفها إلى وظائف منتجة، قابلة للتطوير، وشبحية، ووضع برامج تحول مخصصة لكل فئة، بما يشمل إعادة التصميم، وإعادة التأهيل، وتعزيز الوظائف عالية الكفاءة. ويقوم هذا على إطار حوكمة متكامل يضم لجان مراجعة مستقلة، ونظام معلوماتي لمتابعة الأداء، وآلية مراجعة دورية لكل الوظائف، مع تعزيز النظام بدعم اتخاذ القرار عبر لوحات تحكم تفاعلية، والمرونة في التطوير بإضافة وحدات جديدة، والأمان والخصوصية بتطبيق معايير الأمن السيبراني، والتكلفة الفعالة بخفض التكاليف التشغيلية، والسهولة في الاستخدام بواجهات مستخدم بسيطة، والمساءلة المحسنة عبر التتبع الدقيق، والتعلم الآلي لتحسين المعايير ذاتياً، والانسيابية المؤسسية لتسهيل عمليات إعادة الهيكلة، والتوافق مع المعايير الدولية للمقارنة العالمية، والاستدامة البيئية بالتحول الكامل نحو البيئة الرقمية.
ويعزز هذا النظام بوحدات قياس موحدة:
· تقاس القيمة المضافة بوحدات “الأثر المعياري” المعتمدة وطنياً
· تقاس المساءلة بنسبة الإنجاز إلى المستهدف عبر مؤشرات مركبة
· تقاس التكلفة المجتمعية بقيمة الموارد المحولة عن استخدامات بديلة
تشير التجارب الدولية الناجحة في سنغافورة وكندا ونيوزيلندا إلى أن التحول الفعال يتطلب وضوحاً مفهوماً يربط الوظيفة بمؤشرات أثر محددة، وربط الامتيازات والمكافآت بالنتائج الفعلية، ومرونة مؤسسية لتتكيف أنظمة التقييم مع المتغيرات، وضمان العدالة الانتقالية للعاملين عبر برامج إعادة التأهيل بدلاً من الإقصاء.
وتبرز التحديات الثقافية والفنية والتشريعية في مسار التحول، ويمكن مواجهتها عبر برامج تحول ثقافي تدريجي، وبناء منصات رقمية متكاملة لإدارة الموارد البشرية، وتطوير منظومة تشريعية داعمة للتغيير، مع إشراك جميع الأطراف المعنية لضمان تطبيق مستدام.
إن التحول من الوظائف الشبحية إلى منظومة القيمة المضافة يمثل تجديداً للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وانتقالاً من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن فلسفة التوظيف إلى فلسفة الاستثمار في رأس المال البشري. فهو فرصة تاريخية لتحرير الطاقات الكامنة في الجهاز الحكومي، وتحويله من عبء على الموازنة إلى محرك للتنمية، ومن أداة بيروقراطية إلى منصة للابتكار، ويحول الموظف من شاغل منصب إلى شريك فاعل في التنمية.
الدولة التي تتبنى هذا النموذج التحويلي تبني أسساً راسخة لعلاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم، تقوم على الثقة المتبادلة، والمساءلة الواضحة، والعطاء المتبادل. هذا يشكل أساساً لدولة المؤسسات التي تحترم كفاءة مواطنيها، وتحفظ كرامة عمالها، وتؤمن مستقبل أجيالها.
توصيات:
1. اعتماد النموذج التحليلي المتكامل كإطار مرجعي لتقييم وتطوير جميع الوظائف الحكومية، بما في ذلك البعد الرياضي والمنطقي لدعم القرار، مع تطوير معايير قياس موحدة للأبعاد الثلاثة.
2. إنشاء نظام وطني للجدارات والمهارات مرتبط باحتياجات سوق العمل المستقبلية، مع ربطه بالنموذج الرياضي لقياس الأثر.
3. ربط جميع الحوافز والامتيازات والترقيات بمؤشرات أداء قابلة للقياس والتحقق، مع تطوير آليات حسابية لربط المكافآت بقيمة الأثر المتحقق.
4. إطلاق برنامج تحول ثقافي مؤسسي لإعادة تعريف العلاقة بين الموظف والدولة، مع استخدام النموذج الرياضي كأداة توضيحية موضوعية.
5. تطوير منصة رقمية متكاملة لإدارة وتقييم وتطوير الموارد البشرية الحكومية، مع دمج النموذج الرياضي في خوارزميات التحليل والتقييم، وتصميم برنامج محوسب لتقييم الوظائف آلياً.
6. ضمان حقوق العاملين عبر برامج إعادة التأهيل والتحول المهني المدعومة، مع استخدام تقييمات النموذج الرياضي لتحديد مسارات التحول الأمثل.
7. تبني الإصلاح كبرنامج وطني برعاية عليا وآليات متابعة ومحاسبة مستقلة، مع اعتماد النموذج الرياضي كأساس موضوعي للتقارير والتقييمات الدورية.
الوظيفة التي تُقاس بأثرها تُحترم بكفاءتها، والمؤسسة التي تُدار بحوكمة رشيدة تتحول إلى إرث تنموي، والدولة التي تستثمر في إنسانها تبني مستقبلها على أسس الكفاءة والعدالة والاستدامة. وبدمج البعد المنطقي والرياضي، يصبح التقييم موضوعياً، قابلاً للقياس، ويعزز استمرارية التحول المؤسسي دون أي قصور في التقدير، حيث تُحدد القيمة بدقة، وتُوزع المسؤولية بشفافية، وتُحاسب النتائج بإنصاف، لتحقيق التوازن الأمثل بين الحقوق والواجبات في إطار العقد الاجتماعي المتجدد.
انتهى
أمثلة محلية:
الوظائف الحكومية عديمة الأثر:
بعض الوحدات الإدارية في الولايات، مثل أقسام الإعاشة أو المشاريع المؤقتة، استمرت رغم توقف الحاجة الفعلية، مما يعكس “مشروع الإعاشة” المؤسسي المشار إليه في النص.
مثال: استمرار تمويل بعض لجان الدعم الإداري أو وظائف الدعم الفني في الوزارات بعد إتمام المشاريع الموكلة لها، مع عدم وجود متابعة لقياس أثرها.
تحويل الوظائف إلى وظائف ذات قيمة مضافة:
في وزارة الزراعة السودانية، بعض الوظائف التي كانت مسجلة رسمياً لكن بلا أثر عملي تم إعادة هيكلتها عبر برامج تقييم الأداء وربطها بمشاريع محددة، مثل دعم صغار المزارعين ومتابعة حصاد المياه، مما حولها إلى وظائف منتجة وملموس أثرها على المجتمع.
المساءلة والربط بالأثر:
تجربة مشروع تشغيل الخريجين أو برامج التدريب المهني في السودان، حيث نجحت بعض الولايات في ربط صرف الميزانية بمؤشرات أداء قابلة للقياس، مثل عدد المستفيدين فعلياً، ومعدل تشغيل الخريجين، وهو مثال عملي على تطبيق الربط بين الوظيفة والأثر.
الاستفادة من التكنولوجيا المحلية:
استخدام نظم إدارة الموارد البشرية الرقمية في بعض الوزارات أو الهيئات مثل وزارة المالية أو شركة الكهرباء لتتبع أداء الموظفين، مما يعكس إمكانات دمج النموذج الرياضي في السياق المحلي.
ملحق :
لتكييف النموذج النظري مع الواقع السوداني.







