مقالات

كلمة نعم بين البناء والهدم: فن التواصل الواعي

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي 

 

نعم 

كلمة نعم بين البناء والهدم: فن التواصل الواعي

تحليل استراتيجي لأثر الكلمة في تشكيل العلاقات والمجتمعات

كلمة واحدة.. عوالم متعددة

المشكلة ليست في لفظ “نعم”، بل في البنية النفسية والاجتماعية التي تُنتجها. تعلّم الموازنة بين القبول والرفض سرٌّ من أسرار النضج الإنساني والتماسك الاجتماعي. “نعم” الصادقة تبني الإنسان، والموافقة الشكلية تُضعف الثقة، واللامبالاة تُفقد الكلمة قيمتها.

الجذور البنيوية للموافقة الشكلية في البيئة العربية

تنتشر الموافقة الشكلية في مجتمعاتنا لثلاثة أسباب عميقة:

1. الخوف من الرفض الاجتماعي – تقديم المجاملة على الصدق خوفًا من النبذ.

2. غياب التربية على الحزم الإيجابي – تنشئة الأبناء على الطاعة دون تعليمهم فن الرفض المهذب.

3. الضغط المؤسسي الهرمي – صعوبة رفض التكليف حتى مع العلم بعدم القدرة على التنفيذ.

متى كانت آخر مرة قلت فيها “نعم” وأنت تعلم أنك لن تستطيع الوفاء؟

أربعة وجوه لكلمة “نعم”: تحليل تطبيقي

1. نعم الثقة والالتزام – تُقال بوعي وقناعة، كالتزام الطبيب بحالة طارئة.

2. نعم الإقرار بالصواب – اعتراف بالحقيقة، كقول الزوج “نعم، أخطأت” لتحويل الصراع إلى تفاهم.

3. الموافقة الشكلية الزائفة – لإرضاء الآخرين دون اقتناع، كموافقة الموظف على مهمة يعلم أنه لن يُنجزها.

4. نعم اللامبالاة – الأخطر، لأنها تقتل روح التواصل، كرد المراهق غير المبالِي.

الأدلة العلمية والتأثير المجتمعي

تُظهر دراسات علم النفس السلوكي (كدراسة “دوكر & دين” في Journal of Applied Psychology 2022) أن الصدق في التواصل يُعزز الثقة ويُقلل التوتر، بينما تؤدي المجاملة الزائفة إلى إرهاق نفسي. يُظهر مفهوم “الحزم الإيجابي” أن الأشخاص المتوازنين في القبول والرفض يتمتعون بصحة نفسية أفضل.

على المستوى الاجتماعي، تؤكد تحليلات “بيتر بيرغر” أن المجتمعات التي ينتشر فيها التواصل الصادق تكون أكثر استقرارًا. الموافقة الشكلية تُضعف الأداء المؤسسي وتُنتج فجوة بين الخطط والتطبيق، كما يحدث في بعض الدوائر الحكومية عندما يوافق الموظفون على تعليمات يصعب تنفيذها عمليًا.

هذا السلوك يؤدي إلى:

· تراجع الثقة المؤسسية

· انخفاض الكفاءة الإنتاجية

· تآكل الروابط الأسرية

خارطة التحوّل: من الفرد إلى المجتمع

بداية التحول: الفرد والأسرة

يبدأ التغيير من الفرد من خلال تطوير عادة التوقف قبل النطق لاستجلاء النية، وربط “نعم” بالاستعداد الحقيقي للفعل. ثم ينتقل إلى الأسرة بتدريب الأبناء على الصراحة المهذبة وخلق بيئة آمنة للتعبير الصادق.

التحول المؤسسي: من المجاملة إلى الفعالية

على المستوى المؤسسي، يمكن تنفيذ برامج تدريبية على الرفض المهني وتحويل ثقافة المؤسسات نحو تقدير الصراحة البناءة. هذا ليس تنظيرًا بعيد المنال، فتجربة بعض المدارس في دول عربية بإدخال حصص “التواصل الواعي” أظهرت تحسّنًا ملحوظًا في الثقة بين الطلاب والمعلمين.

كما تُظهر تجارب بعض الشركات الكبرى في المنطقة أن إدراج مؤشرات مثل “مستوى الرضا المؤسسي” و”شفافية التقارير” في تقييمات الأداء قد أدى إلى تحسين جودة القرارات وتعزيز الثقة الداخلية.

التحول المجتمعي: البنية التحتية للثقة

على المستوى المجتمعي، نستطيع إدراج مهارات التواصل الواعي في المناهج الدراسية، وإطلاق حملات إعلامية ممنهجة. يمكن أيضًا تشجيع الحزم الإيجابي في بيئات العمل عبر سياسات واضحة، ومكافأة الصراحة البناءة.

هذه التحولات تنعكس إيجابًا على التنمية العامة، حيث أن الثقة الاجتماعية والصدق في التواصل يعززان الاستقرار الاقتصادي ويقللان من تكاليف الرقابة والبيروقراطية، مما يوفر بيئة جاذبة للاستثمار والابتكار.

كيف أقول “نعم”: فن الموافقة الواعية

قبل أن تنطق بـ “نعم”، استخدم مقياسًا بسيطًا: توقف – تأمل – التزم.

1. توقف للحظة قبل الرد، لا تستجب تلقائيًا.

2. تأمل في ثلاثة أمور: قدرتك الحقيقية، وقتك المتاح، ومدى انسجام هذا الالتزام مع قيمك وأولوياتك.

3. الزم فقط إذا اجتاز الطلب هذه الاختبارات، وكن مستعدًا لتقديم “لا” مهذبة إذا لزم الأمر.

تذكر: “نعم” الواعية هي التي تُعطى بحرية، لا تحت ضغط، وتُبنى على أساس الواقع لا على الرغبة في الإرضاء.

فن قول “لا” المهذبة: نماذج عملية للرفض البناء

الرفض المهذب ليس إنكارًا للآخر، بل احترام للذات والطرفين معًا. إليك نماذج عملية:

1. الرفض مع التقدير: “أشكرك ثقة فيَّ لهذا الطلب، لكن للأسف لدي التزامات أخرى تمنعني من المشاركة حالياً.”

2. الرفض مع البديل: “لا أستطيع تحمل هذه المهمة كاملة، لكن يمكنني المساعدة في الجزء المتعلق بـ…”

3. الرفض مع التوضيح: “أقدر طلبك، لكن لدي أولويات أخرى الآن تتطلب تركيزي الكامل.”

4. الرفض مع الإحالة: “هذا ليس مجال تخصصي، لكن ربما (شخص آخر) يكون الأنسب لهذه المهمة.”

5. الرفض مع التأجيل: “ليس لدي القدرة الآن، لكن دعنا نناقش هذا مجددًا في وقت لاحق.”

المفتاح أن يكون الرفض: واضحًا غير غامض، محترمًا غير جارح، ومرفقًا بالتعليل إن أمكن.

توصيات:

1. تمرين اليومي: ابدأ صباحك بتحديد مهمة واحدة تقول لها “نعم” بكل وعي وتركيز، ورفض مهذب لما لا يتناسب مع أولوياتك.

2. لغة الجسد: اجعل “نعمك” كاملة بانتباه العينين وثبات الصوت واستقامة الظهر، فهذا يعزز مصداقيتها.

3. التدرج في التطبيق: ابدأ بمواقف منخفضة المخاطر لتعويد نفسك على الرفض المهذب، ثم انتقل تدريجيًا إلى مواقف أكثر أهمية.

4. مجموعة الدعم: شكل حلقة من الأصدقاء أو الزملاء الذين يتفقون على الصراحة البناءة، ويتحملون مسؤولية تذكير بعضهم عند الحاجة.

5. مفكرة التوازن: دون في نهاية كل يوم: كم مرة قلت “نعم” صادقة؟ وكم مرة رفضت بلباقة؟ وكيف كانت النتائج؟

نحو عقد اجتماعي جديد قائم على الصدق

النهضة الحقيقية تبدأ بكلمات صغيرة تُقال بوعي. يحتاج مجتمعنا العربي إلى “عقد تواصلي جديد” يُعيد تعريف نعم ككلمة مسؤولية لا مجاملة.

عندما نتعلم أن نقول “نعم” فقط حين نقتنع ونستطيع، ونمتلك شجاعة الرفض المهذب حين لا نقدر، نضع لبنة المجتمع المتين. مجتمع يبني نفسه على الصدق لا الوهم، ويؤسس لعلاقات قائمة على الثقة ومؤسسات قائمة على الشفافية.

فلتكن كلمتنا جسرًا نحو هذا المستقبل. ولنبدأ بأنفسنا: ما هي أول نعم صادقة سنقولها اليوم؟

ابدأ اليوم بكلمة نعم صادقة، فكل نعم صادقة تبني جسورًا من الثقة وتغيّر ثقافة التواصل حولك.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى