
في معنى الحرية والاستقلال: قراءة في تحذير نهرو
• أصعب الأسئلة تلك التي تبدو بديهية، حتى إذا ما تأملناها، كشفت عن عمقها وخفاياها.
• وقديماً قال الفيلسوف سانت أوغستين: كنت أعلم ما هو الزمن حتى سألني أحدهم: ما الزمن؟ حينها اكتشفت أني لا أعرفه.
• الآن، عزيزي القارئ، ومع حلول الذكرى 70 للاستقلال، أسألك: ماذا تعرف عن الحرية، وما معنى الاستقلال؟
• احتفظ بإجابتك قليلاً حتى تنهي قراءة كلمة جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند في أبريل 1955م في مؤتمر باندونج بإندونيسيا.
• بحضور وفود 29 دولة أفريقية وآسيوية، بينها السودان، ومعظمها كان على وشك نيل استقلاله آنذاك، قال نهرو:
• إن كثيرين من أصدقائنا هنا يتحدثون عن الحرية والاستقلال، كثيرون، وخاصة رفاقنا في أفريقيا.
• لقد عدّدت كلمتي “الحرية والاستقلال” في حديث ممثلي الحركة الشعبية في كينيا وروديسيا (زيمبابوي حالياً)، فإذا هي كثيرة جدًا.
• المندوب المحترم من كينيا كررها تسع عشرة مرة، ومندوب روديسيا (زيمبابوي حالياً) كان أكثر تواضعًا فقد كررها ست عشرة مرة فقط.
• وليس بين الذين سمعتهم أمس واليوم من لم يكررها عشر مرات على الأقل.
• أريد أن أسألكم: ماذا تعرفون عن “الحرية والاستقلال”؟ ماذا نعرف عن “الحرية والاستقلال”؟
• إذا تصورنا أنها إعلان المستعمر القديم بأنه سوف يسحب حامياته من أراضينا ثم يوقع معنا قصاصة ورق، فهذا هراء.
• ذلك سهل وهم على استعداد لأن يفعلوه غدًا، ولكن ماذا بعد؟ هل سألتم أنفسكم هذا السؤال؟!
• إنكم تثيرون فزعي، لأنكم لا ترون ما هو أبعد من موقع أقدامكم، وتشغلون أنفسكم باللحظة التي مضت وليس باللحظة القادمة.
• تطلبون الاستقلال؟ حسناً، وتطلبون الحرية؟ حسناً جدًا. سوف يعطونكم ما تطلبون.
• لم يعد في ذلك شك، لأسباب كثيرة: أولها، أنه لم يعد في مقدورهم أن يسيطروا عليكم بقوة السلاح.
• وثانيها، أنهم لم يعودوا راغبين في السيطرة عليكم بقوة السلاح.
• فانتشار الأسلحة الصغيرة بعد الحرب العالمية الثانية جعلكم أكثر قدرة على المقاومة المسلحة.
• واختلاف أوضاع العالم جعلهم في غنى عن استعمال السلاح.
• إذن، سوف يتنازلون ويوقعون معكم قصاصات ورق تبين ذلك. حسناً، ثم ماذا بعد؟
• سوف تتولون المسؤولية، وسوف تجدون أنفسكم رؤساء لشعوبكم. لديكم قصور رئاسية، وحرس وسيارات رئاسية وربما طائرات، ولكن ليس هذا هو المهم!
• هل ستجدون لديكم سلطة رئاسات؟ لست متأكدًا. سوف تجدون لأنفسكم سلطة على رعاياكم، ولكن لن تجدوا لأنفسكم سلطة على غيرهم.
• رعاياكم سوف يطلبون منكم جوائز الاستقلال، ومن حقهم أن يتوقعوا تحسنًا في أحوالهم بعد الاستقلال. فهل لديكم ما تعطونه لهم؟
• أشك كثيرًا. لماذا؟ لأنكم جميعًا منهوبون، ومواردكم منهوبة فعلاً، أو مرتبطة بنظم دولية تواصل عملية نهبها.
• وإذا لم تكن لديكم سلطة غير سلطتكم على رعاياكم، وإذا كان هؤلاء سوف يطالبونكم بما سوف تكتشفون أنه غير موجود، فماذا ستفعلون؟
• ستغيرون اتجاه سلاحكم من أعدائكم القدامى إلى أعداء جدد داخل بلدانكم.
• بعضكم قد يتحمس ويعلن أمامنا بأن لديه موارد، لكنها مستغلة من آخرين ولصالحهم، وأنه ينوي استردادها من أيدي غاصبيها.
• حسناً، فعلتها إيران وأمم البترول، فماذا كانت النتيجة؟ وجد نفسها في طريق مسدود بالحصار، ثم وجدت نفسها في السجن حتى الآن بالانقلاب المضاد.
• إن مستعمريكم السابقين رتبوا أنفسهم قبل أن يوافقوا على الاستقلال، وأقاموا أوضاعًا جديدة تستبدل أعلامهم القديمة بأعلامكم الجديدة.
• ولكن، هل سيغير هذا من واقع الأمر شيئًا؟
• سوف تجدون أنفسكم أمام مشاكل، وقد يندفع بعضكم إلى أن يطلب من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي قروضًا.
• فهل سألتم أنفسكم من هؤلاء الذين يسيطرون على صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي؟
• نفس جلاديكم السابقين، فأي وضع هذا الذي يستنجد فيه الضحية بالجاني؟
• لن تكون هذه هي المشكلة الوحيدة، فحقوق الحرية التي ناضلنا من أجلها كأوطان سوف تؤثر داخل هذه الأوطان نفسها.
• جماعات كثيرة، وأقليات عرقية ودينية متعددة داخل أوطانكم، سوف تطالب بحقوق داخلية كانت سكتت عنها حفاظًا على الوحدة الوطنية.
• لكنها بعد توقيع قصاصة الورق سوف تجد الفرصة مناسبة للمطالبة بالحكم الذاتي أو تحقيق الهوية الذاتية.
• ربما يكون هناك تشجيع من القوى القديمة، فقد تعلمت من تجربتها التعامل مع الأقليات من كل نوع.
• أهذا كل شيء؟ لا، فسوف تجدون أنفسكم بعد الاستقلال في مشاكل حدود مع جيرانكم، فخرائط معظم بلدانكم خرائط جديدة رسمها الاستعمار.
• في بعض مناطق أفريقيا، تحددت الحدود بالنقطة التي وصلها رحالة من هذا البلد أو شركة من ذلك البلد.
• ماذا ستفعلون؟ هل ستدخلون بعد الاستقلال في حروب مع جيرانكم أو مع بعضكم؟ حسناً، سوف نجد أنفسنا في سباق تسلح مع هؤلاء الجيران.
• سمعت بعضكم يتحدث عن عضوية الأمم المتحدة وكأنها ملكوت الله، تطلبون فتجابون! هل هذا صحيح؟ الأمم المتحدة بلا فاعلية.
• ربما يقول لي بعضكم أن دخول عدد كبير من الدول حديثة الاستقلال إليها سوف يحقنها بالفاعلية.
• لكن أخشى أن العكس سيحدث، أستطيع أن أرى المستقبل أمامي بوضوح حين يصبح عدد أعضاء الأمم المتحدة مائة وعشرين أو مائة وأربعين دولة.
• فليكن عددهم كذلك، وما هو أثر ذلك؟ أثره كارثة محققة. هل هي مسألة عدد أصوات؟
• ماذا سيفعل عدد الأصوات بالأمم المتحدة؟ كيف يمكن أن تقبل الولايات المتحدة أن يتساوى صوتها مع صوت كوستاريكا.
• وكيف يقبل الاتحاد السوفيتي أن تصبح قيمة صوته هي نفس قيمة صوت أفغانستان؟
• لن يقبلوا المساواة في عدد الأصوات أو في قوة الأصوات، وبصراحة شديدة، فإنني معهم.
• القوة الحقيقية في العالم لا تتحقق بعملية حسابية تجمع أو تطرح فيها الأصوات.
• إن كلمتي “الاستقلال والحرية” ليستا تعبيرات “فرايحية”، وإنما أثقال ومسؤولية، مسئولية مخيفة.
• السيطرة اليوم ليست بالجيوش، بل بالتقدم: المتقدمون سادة، والمتخلفون مقهورون مهما رفعوا أعلامًا أو قصاصات ورق.
• سوف تأخذنا جميعًا حمى التنمية، وسنملأ الدنيا كلامًا عنها، لكن هناك سبيل واحد للتنمية، وهو العلم.
• فماذا لدينا منه؟ أخشى أن نجد مصادر التنمية عندنا في أيدي بيروقراطيات متعفنة أو عاجزة.
• شكرًا سيدي الرئيس، فقد أخذت من وقت اللجنة الموقرة أكثر من ساعة، لكني وجدت من واجبي أن أغوص في تبعات الاستقلال بعد أن سمعت رفاقًا كثيرين يتحدثون شعراً ونثراً عن مباهجه!
• كان ذلك تلخيصًا موجزًا لمعنى الاستقلال والحرية كما رآهما جواهر لال نهرو.
• والآن، أعود إليك، قارئ العزيز: ماذا تعني لك الحرية؟ وماذا يعني لك الاستقلال ونحن نطل على الذكرى السبعين لاستقلال البلاد؟
حفظ الله السودان







