مقالات

الإرشاد… حلقة الوصل بين العلم والحقل

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

الإرشاد… حلقة الوصل بين العلم والحقل

• في أوائل الثمانينات، ونحن بعدُ خريجون جدد بقسم بحوث الغابات، كان بعض ما أُسند إلينا من مهام هو الطواف على غابات السنط النيلية على ضفتي النيل الأزرق.

• كانت مهمتنا تتركّز في قياس أطوال وأحجام الأشجار داخل مرابيع العينات التي أُنشئت في أزمنة متفاوتة منذ خمسينيات القرن الماضي.

• كان الهدف تقدير معدلات نمو الأشجار، ومن ثم تحديد العمر الأمثل للاستفادة الاقتصادية منها: أخشابًا منشورة في الأعمار الأطول، أو حطبًا للحريق في الأعمار الأقل نسبيًا.

• كنا نذهب صيفًا على عربتي “كومر” و”لاندروفر”، نجرّ معنا الآليات والعمال، ونقضي النهار في القياسات، ونبيت ليلًا حيث يطيب بنا المقام في أقرب موقع.

• وفي إحدى تلك الرحلات نزلنا ببلدة بنزقا، وهي مركز اقتصادي غابي مهم، فإلى جانب ثرائها الغابي، يوجد بها منشار يوفّر منتجات خشبية وفرص عمل ودخلًا للمجتمع المحلي.

• علم قريبٌ لي، يعمل معلّمًا بمدرسة القرية، بوجودنا، فأقام لنا عشاءً كريمًا دعا إليه زملاءه المعلمين.

• وخلال كلمات الترحيب والمجاملة، سألني أحدهم عن طبيعة مهمتنا التي جاءت بنا بكل هذه العربات والرجال.

• قلت له، محاولًا تبسيط العلم واختصاره دون أن أجرحه: مهمتنا قياس الأشجار في المنطقة.

• هنا حدث ما لم يكن في الحسبان. انفجر الرجل ضاحكًا. ضحكًا صادقًا، لا علاقة له بالمجاملة أو بالتشجيع المعنوي.

• ظل يضحك وهو يشرح لزملائه – وسط نوبات الضحك – حكاية هذا الحشد من العربات والآليات والعمال الذين جاءوا في مهمة بدت له غير عقلانية، “فياقة وقلة شغلة”!

• في تلك الليلة ضحكنا جميعًا. هو ضحك لأن ما نفعله، في نظره، بلا فائدة مباشرة، ونحن ضحكنا لأننا كنا نعرف – أو نظن أننا نعرف – أن ما نقوم به عملٌ مؤسِّس للمستقبل.

• كان ضحكنا تعبيرًا عن فجوة عميقة بين من يعيش ضغط الحاضر، ومن يراهن على الزمن الطويل.

• لم يكن الخلاف بيننا جهلًا أو استعلاءً، بل غياب لغة مشتركة تشرح لماذا نقيس الأشجار، وما علاقة ذلك بأن يظل المنشار الذي يحرك اقتصاد القريةً دائراً.

• بعد أعوام، كلما سمعت سؤالًا من نوع: وما الفائدة؟، عاد إلى ذهني ذلك الضحك في بنزقا.

• وتذكّرت أن العالم كثيرًا ما يضحك من أولئك الذين يقيسون ما لا يُدرك في حينه.

• فهكذا ضحك معاصرو غريغور مندل من راهبٍ يعدّ حبّات البازلاء، وهكذا ضحك أهل بيزا من غاليليو وهو يرمي الحجارة من على البرج المائل.

• لم يكونوا مخطئين تمامًا؛ كانوا فقط أسرى زمنهم، كما كنا نحن وهم في تلك الليلة ببنزقا.

• ومثلما ضحك الناس على جهودنا، ضحك التاريخ أحيانًا على العلوم التي بدا أنها بلا فائدة.

• ففي خمسينيات القرن الماضي، رفض وزير التعليم المصري اعتماد شهادة دكتوراه موضوعها عن “فقرات الضفدعة”، بحجة أن هذا النوع من العلوم لا نفع اقتصادي له.

• وفي القرن التاسع عشر، حين أكتشف العالم البريطاني مايكل فاراداي العلاقة بين الكهرباء والمغنطيسية، سخر منه وزير الخزانة وليم غلادستون بقوله: اكتشاف شائق… ولكن ما فائدته؟

• فأجابه فاراداي بصدق العالم: لا أدري الآن ما فائدته، لكنك في يوم من الأيام ستفرض ضريبة على استخدام نتائجه.

• وقد صدق حدس فاراداي؛ فجزء كبير من ثروة الدول المتقدمة اليوم يقوم على تلك العلاقة التي بدت، في لحظتها، بلا نفع واضح.

• فما بين فقرات ضفدعة، وحبّات بازلاء، وتفرعات أغصان شجرة، تتكرر الحكاية نفسها.

• البحوث العلمية لا تعطي ثمارها فورًا، ولا تؤتي أُكلها إلا لمن امتلك صبر الانتظار، ومهارة الشرح، والقدرة على ربط العلم بالحياة في الحقل، هي مناط دور الإرشاد.

• فهو الحلقة الوصلة التي تصل العلم بالحقل، تحوّل المعرفة من مجرد فكرة إلى تطبيق عملي وملموس.

آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى