
إصلاح نظم الإيرادات: نحو نظام ضريبي متوازن وداعم للتنمية
أولاً: فلسفة إصلاح الإيرادات: نحو عقد اجتماعي ضريبي جديد
ما الهدف من نظم التحصيل غير المعيقة للنمو؟
لا يقتصر هدف نظم الإيرادات الحديثة على تعظيم التحصيل المالي قصير الأجل، بل يتجاوز ذلك إلى تحقيق توازن ذكي بين الإيراد والنمو، والعدالة والكفاءة، والاستدامة والاستثمار. فالضريبة أداة من أدوات السياسة العامة، وإذا أُسيء تصميمها أو قُصر فهمها على منطق الجباية، تحولت من رافعة للتنمية إلى كابح للإنتاج ومُغذٍّ للاقتصاد الموازي ومُضعِف للثقة بين الدولة والمجتمع. يعكس هذا القصور الفلسفي هيمنة النظرة الآنية على حساب النمو طويل المدى، مما يحوّل الضريبة إلى عبء اقتصادي واجتماعي بدل أن تكون استثماراً في التنمية.
وعليه، تُصمَّم نظم التحصيل الداعمة للنمو لتُحقق ما يلي:
1. عدم إثقال كاهل الإنتاج الحقيقي، مع تحفيز القطاعات المنتجة وتجنب تحميلها أعباءً تفوق قدرتها التنافسية.
2. تقليل الحوافز للتهرب ودعم الانتقال الطوعي من الاقتصاد غير المنظم إلى المنظم، بمعالجة جذور الخروج من النظام كالتعقيد الإداري وارتفاع كلفة الامتثال.
3. تعزيز الشفافية والثقة عبر ربط الضريبة بالخدمة والعائد الاقتصادي الكلي، بحيث يرى المواطن أثر مساهمته في جودة الخدمات العامة. هذا الربط المباشر يحوّل العلاقة من صراع إلى شراكة.
4. توسيع القاعدة الضريبية بدلاً من رفع المعدلات فقط، لتحقيق عدالة أفقية واستقرار طويل الأجل للإيرادات، مع تجنب إرهاق شريحة محدودة من الممولين النظاميين وإبقاء قطاعات واسعة خارج المظلة الضريبية.
ثانياً: السياسات الضريبية الذكية – الأدوات والأسس
1. الضرائب غير المباشرة الواسعة القاعدة: ضريبة القيمة المضافة (VAT)
تُعد من أكثر أدوات التحصيل كفاءة عند تصميمها بشكل بسيط وشفاف وبمعدل معتدل، وتكمن ميزتها الأساسية في أنها:
· تُفرض على الاستهلاك النهائي وليس على الإنتاج، مما يقلل التشوهات الاقتصادية ويجنب إضعاف القاعدة الإنتاجية.
· تُوسّع القاعدة الضريبية دون زيادة العبء المباشر على المستثمر أو المنتج.
· تجربة دولية ناجحة: تحقق دول مثل سنغافورة والسويد إيرادات عالية من خلال معدلات VAT منخفضة (7-10٪) مع قاعدة واسعة وإعفاءات محدودة، مما يدعم الاستهلاك والنمو.
2. الضرائب على الملكية غير المحبطة للإنتاج: ضريبة قيمة الأرض (Land Value Tax)
تُفرض على قيمة الأرض دون التحسينات أو المباني، ما يجعلها:
· غير مؤثرة على قرارات الاستثمار أو البناء، وتُحفز الاستخدام الكفء للأراضي.
· أداة فعالة لمنع الاحتكار العقاري غير المنتج، خصوصاً في المدن الكبرى، وتُعد من الأدوات التصحيحية الهامة لمعالجة الريع.
· تجربة دولية رائدة: تطبق مدينة بنسلفانيا في الولايات المتحدة نموذجاً ناجحاً لهذه الضريبة، مما ساهم في تنمية أراضيها الحضرية وزيادة الاستثمار فيها.
3. الضرائب البيئية والتصحيحية (Pigouvian Taxes)
تُفرض على الأنشطة ذات الأثر السلبي على المجتمع والبيئة، مثل التلوث والانبعاثات، وهي:
· لا تُثقل الإنتاج الأساسي، بل تصحح فشل السوق وتحمل الملوثين الكلفة الاجتماعية لأفعالهم.
· تحقق “مكسب مزدوج“: إيرادات للحكومة وتحسين جودة الحياة، حيث تُخصص عائداتها لتمويل مشاريع البنية التحتية الخضراء.
· تجربة دولية ملهمة: تطبق السويد منذ عام 1991 ضريبة كربون فعالة ساهمت في خفض الانبعاثات بنسبة 27٪ مع نمو اقتصادها.
4. ضرائب الاستهلاك الانتقائية
تُفرض على السلع الكمالية أو الضارة (السيارات ، التبغ، الكحول، السلع عالية البصمة البيئية)، وهي:
· محدودة الأثر على القطاعات المنتجة، وعالية العائد نسبياً.
· ذات بعد صحي واجتماعي وتنظيمي إيجابي، مما يعزز القبول المجتمعي.
5. الرسوم والإيرادات غير الضريبية المستدامة
تشمل: رسوم خدمات حقيقية مقابل أداء فعلي، وعوائد أصول الدولة، ورسوم استخدام الموارد، والشراكات مع القطاع الخاص.
تمتاز هذه الإيرادات بأنها أقل تشويهاً للنشاط الاقتصادي وأكثر قبولاً اجتماعياً، عندما ترتبط بجودة الخدمة ووضوح تكلفتها. يجب التركيز عليها لتحل محل الجبايات المحلية المتعددة والمشوِّهة.
ثالثاً: السياسات الجغرافية – التمييز المكاني الذكي
1. العاصمة السيادية: مركز الاستهلاك والخدمات
باعتبارها مركزاً للأنشطة الريعية والخدمية عالية القيمة، والسياحة، والإدارة، فإن السياسة الرشيدة تقتضي:
· تركيز الضرائب والرسوم الأعلى داخل العاصمة السيادية، خصوصاً على الأنشطة غير المنتجة مباشرةً
· تحميل كلفة السكن والخدمات المميزة للمقيمين فيها، مع فرض ضرائب على المعاملات العقارية والإيجارات.
· تنظيم وتوثيق الإيجارات عبر المحليات، وفرض رسوم على المنتجات الداخلة إلى العاصمة باعتبارها منطقة استهلاك لا إنتاج.
2. الأقاليم: حواضن الإنتاج والاستقرار
باعتبارها مناطق إنتاج (زراعة، صناعة، تعدين)، ومناطق تعليم ومعيشة، وحواضن للموارد البشرية:
· تخفيض العبء الضريبي بشكل جذري على الاستثمارات الإنتاجية والصناعية، لحماية قدرتها التنافسية ومنع التهريب.
· تقديم حزمة حوافز تشمل إعفاءات ضريبية، ودعماً للبنية التحتية، لتشجيع الاستقرار السكاني والإنتاجي ومكافحة الفوارق التنموية.
· توجيه الرسوم المحلية نحو تحسين الخدمات الأساسية (طرق، مستشفيات، مدارس) بشكل مباشر ومرئي لتعزيز الثقة والامتثال الطوعي.
رابعاً: القطاعات الإستراتيجية – من الوعاء الضريبي إلى الشريك الاقتصادي
1. الزراعة: الشراكة في العائد الوطني
إلغاء الضرائب المباشرة على المنتجات الزراعية ليس إعفاءً مالياً، بل تحولاً في فلسفة الدولة الاقتصادية:
· الدولة لا تجبي من المنتج الزراعي، بل تشارك في العائد عبر الصادر والعملة الأجنبية وتحسين الميزان التجاري.
· تُدار الشراكة عبر آليات الصادر والعائد الكلي، لا عبر التدخل في التسعير أو فرض أعباء إدارية، مما يحول الزراعة من عبء إلى رافعة سيادية للأمن الغذائي.
2. مدخلات الإنتاج والرقمنة: إعفاءات استثمارية
من ركائز النظام الداعم للنمو إعفاء مدخلات الإنتاج الحيوية:
· مدخلات الزراعة والصناعة (بذور، أسمدة، آلات) لخفض تكاليف الإنتاج.
· خدمات الاتصال والإنترنت والبنية التحتية الرقمية لتسريع التحول المعرفي.
· أدوات التحول الرقمي للشركات والأفراد.
· التجربة الدولية: تشجع دول مثل إستونيا (الرائدة رقمياً) الاستثمار في التقنية عبر إعفاءات ضريبية، مما يجذب الشركات العالمية ويرفع إنتاجية الاقتصاد.
3. الصادرات الرقمية: مصدر إيرادات المستقبل
في الاقتصاد الحديث، توسعت الصادرات لتشمل:
· البرمجيات، والاستشارات التقنية، والتعليم الإلكتروني، والخدمات الإعلامية.
· يكون دور الدولة: إعفاء ضريبي مرحلي لهذه الصادرات، وتوفير بنية اتصال عالمية المستوى، وتنظيم التحصيل لاحقاً عبر ضريبة الدخل بعد نمو هذه الشركات.
خامساً: الوجود الأجنبي والمغتربون – جذب رأس المال البشري والمادي
1. الوجود الأجنبي: الاستفادة من التدفقات الخارجية
الأجانب يحولون مدخراتهم بالعملة الأجنبية ويستفيدون من البنية التحتية، وعليه:
· تُفرض رسوم إقامة وخدمات عادلة ومرتبطة بجودة الخدمات المقدمة، لا مجرد وجودهم.
· تُصمَّم السياسة لجذب الاستثمار البشري والمالي طويل الأمد، لا لطرده.
2. المغتربون: مورد استراتيجي للعملة والخبرة
المغتربون ليسوا وعاء جباية، بل مورداً للعملة الأجنبية ورأس مال اجتماعي وخبراتي، والسياسة الذكية تقتضي:
· تسهيل التحويلات بأسعار صرف تنافسية عبر منصات حكومية موحدة، مما يمنع السوق الموازي ويجذب العملة الصعبة.
· معاملة تفضيلية: ربط ضريبتهم بالتقاعد (ليس بالدخل الحالي)، ودمج الزكاة في نظام التأمينات الاجتماعية.
· إدماجهم الكامل في نظم التأمين الصحي والخدمات الاجتماعية، لتعزيز انتمائهم واستثماراتهم في الوطن.
سادساً: الرقمنة الشاملة – عامل التمكين الرئيسي
التحول الرقمي ليس رفاهية، بل ضرورة لتحقيق الكفاءة والعدالة وعلاج ضعف التكامل بين نظم الإيرادات.
· نظام الفوترة الإلكترونية الإلزامي (مثل نظام GST في الهند) يوسع القاعدة الضريبية ويحدّ من التهرب.
· منصة ضريبية موحدة تربط البيانات بين الجهات (الضرائب، الجمارك، الأحوال المدنية) تلقائياً لتقليل الفساد والتهرب.
· دفع وإجراءات إلكترونية بالكامل تخفض تكاليف الامتثال وتسرع وصول الإيرادات للخزينة.
· التجربة الناجحة: حققت جورجيا إصلاحاً ضريبياً سريعاً يعتمد على الرقمنة والشفافية، مما رفع تصنيفها في مؤشرات سهولة الأعمال وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
سابعاً: توصيات للسياسات والإصلاح
لتجاوز نقاط الضعف في النظم القائمة وتسريع التحول نحو نظام إيرادات فعّال وداعم للنمو، تُقدَّم التوصيات التالية كحزمة عمل متكاملة:
1. تمييز ضريبي جغرافي واضح: تطبيق نظام متعدد المستويات يفرض نسباً أعلى للضرائب غير المباشرة في العاصمة والمراكز الحضرية العالية الاستهلاك، بينما تُخفض إلى الحد الأدنى في الأقاليم المنتجة.
2. رقمنة الإدارة المالية كأولوية قصوى: إطلاق منصة وطنية موحدة تدمج بين الفوترة الإلكترونية الإلزامية وحصر المكلفين وربط البيانات، لبناء سجل ضريبي ديناميكي يقلل التهرب.
3. إعادة تعريف العلاقة مع القطاعات الحيوية: تحويل الدعم للزراعة والصناعات الناشئة من إعانات مباشرة إلى إعفاءات ضريبية كاملة على مدخلات الإنتاج والصادرات.
4. تبني أدوات ضريبية حديثة: الشروع في الدراسات التمهيدية لتطبيق ضريبة القيمة على الأراضي غير المستغلة، وإدخال ضرائب بيئية تصحيحية تدريجياً.
5. إنشاء إطار قانوني ومؤسسي مخصص للمغتربين: إصدار نظام خاص يوفر صفة ضريبية وتأمينية موحدة، ويضمن سعر صرف تنافسي للتحويلات.
6. ترسيخ مبادئ الحوكمة والثقة: تكريس مبدأ “الضريبة مقابل خدمة” عبر ربط جزء من الإيرادات المحلية بتمويل مشاريع الخدمات في نفس المنطقة، ونشر تقارير دورية عن الأثر.
قرار سيادي يعكس رؤية الدولة
إصلاح نظم الإيرادات ليس شأناً مالياً محضاً، بل قراراً سيادياً يعكس فلسفة الدولة:
هل ترى المواطن منتجاً أم ممولاً؟ هل ترى الاقتصاد شريكاً أم وعاءً للجباية؟
الدولة الذكية لا تُثقل الإنتاج، بل تستثمر فيه، ولا تطارد المال، بل تخلق شروط نموه، ولا تفرض الضريبة، بل تُقنع بها عبر العدالة وجودة الخدمة لبناء عقد اجتماعي ضريبي جديد، تقوم فيه الإيرادات المستدامة على الثقة، وتُحصّل بالكفاءة، وتُدار بعقل استراتيجي جمعي يضع تنمية الإنسان والوطن في صلب غاياته.







