
الإرشاد… حلقة الوصل بين العلم والحقل
• في أوائل الثمانينات، ونحن بعدُ خريجون جدد بقسم بحوث الغابات، كان بعض ما أُسند إلينا من مهام هو الطواف على غابات السنط النيلية على ضفتي النيل الأزرق.
• كانت مهمتنا تتركّز في قياس أطوال وأحجام الأشجار داخل مرابيع العينات التي أُنشئت في أزمنة متفاوتة منذ خمسينيات القرن الماضي.
• كان الهدف تقدير معدلات نمو الأشجار، ومن ثم تحديد العمر الأمثل للاستفادة الاقتصادية منها: أخشابًا منشورة في الأعمار الأطول، أو حطبًا للحريق في الأعمار الأقل نسبيًا.
• كنا نذهب صيفًا على عربتي “كومر” و”لاندروفر”، نجرّ معنا الآليات والعمال، ونقضي النهار في القياسات، ونبيت ليلًا حيث يطيب بنا المقام في أقرب موقع.
• وفي إحدى تلك الرحلات نزلنا ببلدة بنزقا، وهي مركز اقتصادي غابي مهم، فإلى جانب ثرائها الغابي، يوجد بها منشار يوفّر منتجات خشبية وفرص عمل ودخلًا للمجتمع المحلي.
• علم قريبٌ لي، يعمل معلّمًا بمدرسة القرية، بوجودنا، فأقام لنا عشاءً كريمًا دعا إليه زملاءه المعلمين.
• وخلال كلمات الترحيب والمجاملة، سألني أحدهم عن طبيعة مهمتنا التي جاءت بنا بكل هذه العربات والرجال.
• قلت له، محاولًا تبسيط العلم واختصاره دون أن أجرحه: مهمتنا قياس الأشجار في المنطقة.
• هنا حدث ما لم يكن في الحسبان. انفجر الرجل ضاحكًا. ضحكًا صادقًا، لا علاقة له بالمجاملة أو بالتشجيع المعنوي.
• ظل يضحك وهو يشرح لزملائه – وسط نوبات الضحك – حكاية هذا الحشد من العربات والآليات والعمال الذين جاءوا في مهمة بدت له غير عقلانية، “فياقة وقلة شغلة”!
• في تلك الليلة ضحكنا جميعًا. هو ضحك لأن ما نفعله، في نظره، بلا فائدة مباشرة، ونحن ضحكنا لأننا كنا نعرف – أو نظن أننا نعرف – أن ما نقوم به عملٌ مؤسِّس للمستقبل.
• كان ضحكنا تعبيرًا عن فجوة عميقة بين من يعيش ضغط الحاضر، ومن يراهن على الزمن الطويل.
• لم يكن الخلاف بيننا جهلًا أو استعلاءً، بل غياب لغة مشتركة تشرح لماذا نقيس الأشجار، وما علاقة ذلك بأن يظل المنشار الذي يحرك اقتصاد القريةً دائراً.
• بعد أعوام، كلما سمعت سؤالًا من نوع: وما الفائدة؟، عاد إلى ذهني ذلك الضحك في بنزقا.
• وتذكّرت أن العالم كثيرًا ما يضحك من أولئك الذين يقيسون ما لا يُدرك في حينه.
• فهكذا ضحك معاصرو غريغور مندل من راهبٍ يعدّ حبّات البازلاء، وهكذا ضحك أهل بيزا من غاليليو وهو يرمي الحجارة من على البرج المائل.
• لم يكونوا مخطئين تمامًا؛ كانوا فقط أسرى زمنهم، كما كنا نحن وهم في تلك الليلة ببنزقا.
• ومثلما ضحك الناس على جهودنا، ضحك التاريخ أحيانًا على العلوم التي بدا أنها بلا فائدة.
• ففي خمسينيات القرن الماضي، رفض وزير التعليم المصري اعتماد شهادة دكتوراه موضوعها عن “فقرات الضفدعة”، بحجة أن هذا النوع من العلوم لا نفع اقتصادي له.
• وفي القرن التاسع عشر، حين أكتشف العالم البريطاني مايكل فاراداي العلاقة بين الكهرباء والمغنطيسية، سخر منه وزير الخزانة وليم غلادستون بقوله: اكتشاف شائق… ولكن ما فائدته؟
• فأجابه فاراداي بصدق العالم: لا أدري الآن ما فائدته، لكنك في يوم من الأيام ستفرض ضريبة على استخدام نتائجه.
• وقد صدق حدس فاراداي؛ فجزء كبير من ثروة الدول المتقدمة اليوم يقوم على تلك العلاقة التي بدت، في لحظتها، بلا نفع واضح.
• فما بين فقرات ضفدعة، وحبّات بازلاء، وتفرعات أغصان شجرة، تتكرر الحكاية نفسها.
• البحوث العلمية لا تعطي ثمارها فورًا، ولا تؤتي أُكلها إلا لمن امتلك صبر الانتظار، ومهارة الشرح، والقدرة على ربط العلم بالحياة في الحقل، هي مناط دور الإرشاد.
• فهو الحلقة الوصلة التي تصل العلم بالحقل، تحوّل المعرفة من مجرد فكرة إلى تطبيق عملي وملموس.
آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.







