الرؤية الاستراتيجية: منهج للمستقبل وجدار حماية للأمن والاستقرار
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

الرؤية الاستراتيجية: منهج للمستقبل وجدار حماية للأمن والاستقرار
تمثّل الرؤية الاستراتيجية المنهج الحاكم لبناء مستقبل الدول، وهي في جوهرها جدار حماية للأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. فغياب الرؤية لا يقود فقط إلى ضعف الأداء، بل يزج بالدولة في حلقة مفرغة من تعاقب الحكومات وإعادة تدوير التجارب ذاتها، رغم ثبوت فشلها، وهو ما يخلّف خللًا بنيويًا في مسار التنمية المتوازنة والمستدامة.
إن أخطر ما تواجهه الدول هو الاستجابة اللحظية والحلول الآنية التي تعتمد على إعادة تمركز مفرط للأدوات والسياسات، استجابة لضغط وقتي أو ظنًّا بأنها تُرضي الرأي العام، دون تقديرٍ كافٍ للأثر المستقبلي. هذه الممارسات لا تُعالج المشكلة، بل تُعمّقها، وتستنزف الموارد، وتُفقد الدولة بوصلتها، لتجد نفسها تدور في حلقة تكرار لا نهائية، في عالم لم يعد يقبل إعادة التجارب الفاشلة، بل يسترشد بالتجارب الناجحة ويتعلم منها.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح قبل إعادة أي تجربة هو: ما هي الرؤية الاستراتيجية التي تستند إليها هذه الخطوة؟ ومن يتحمل مسؤولية هدر الموارد الناتج عن غياب الالتزام بالرؤية الاستراتيجية؟ ففي عالم اليوم، لم يعد غياب الرؤية يُنظر إليه كخطأ إداري بسيط، بل كشكل من أشكال القصور الاستراتيجي المؤسسي، لأن الرؤية الاستراتيجية هي عقد أخلاقي وتنموي بين الدولة والمواطن.
ولم يعد المواطن بمعزل عن هذا الوعي؛ إذ يشاهد نماذج التخطيط الاستراتيجي في المطارات الدولية، والطاقة النظيفة، والتنمية المتوازنة، والبنية التحتية الذكية، ويرى كيف أصبحت مراجعات التخطيط ومعايير الأداء واضحة ومعلنة، في ظل توافق عالمي واسع حول أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للأمم المتحدة. ولم يعد بحاجة إلى وقت طويل لاكتشاف أسباب المعاناة وسوء التخطيط، إذ تظهر آثار الخلل سريعًا في اختلال التنمية المتكاملة والمتوازنة، وتمركز فرص الحياة والخدمات في مناطق دون أخرى، والهجرة التعليمية نحو جامعات بعيدة عن مناطق السكان، وإقامة المصانع بعيدًا عن مناطق الإنتاج، وتموضع المطارات الدولية بصورة لا تخدم التوازن المكاني، وما يصاحب ذلك من تشوه في العلاقة بين التخطيط المكاني والاقتصادي والاجتماعي.
وفي ظل الأزمات والتحديات العالمية، تبرز الرؤية الاستراتيجية كضرورة حتمية للتركيز على إقليم الإنتاج والأمن الغذائي، باعتبارهما جدار الحماية الأول للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي. فالدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية شاملة تُدرك أن تحقيق الأمن الغذائي ركيزة أساسية للسيادة الوطنية، وعاملًا حاسمًا في مواجهة الصدمات الخارجية. ويتطلب ذلك تخطيطًا مكانيًا واقتصاديًا متكاملًا يربط بين مناطق الإنتاج الزراعي والسمكي والحيواني، وشبكات التخزين والتوزيع، والمراكز السكانية، لضمان سلاسل إمداد مرنة ومستدامة تحمي المجتمع من التقلبات وتُحقق الاستقلال الاستراتيجي في الغذاء.
ورغم وضوح هذه الحقائق، لا يزال هناك من ينظر إلى الاستراتيجية بوصفها مجرد رؤية إصلاحية نظرية أو رأي قابل للتجاهل، ويقفون عند حدود الحاجة الآنية “تحت أقدامهم”، رافضين التغيير، غير مدركين أن تجاهل الرؤية لا يوقف الزمن، بل يترك الدولة خارج مساره، ويضاعف كلفة التصحيح في المستقبل.
ومن هذا المنطلق، تفرض الرؤية الاستراتيجية نفسها كمرجعية حاكمة، لا بوصفها وثيقة إرشادية فحسب، بل كإطار مُلزِم للقرار العام. فالدولة التي تدير شؤونها بعقل استراتيجي:
(1) تنتقل من إدارة الأزمات إلى إدارة المستقبل.
(2) تربط تعاقب الحكومات باستمرارية الرؤية لا بتغييرها.
(3) تجعل من المساءلة عن هدر الموارد الناتج عن تجاهل الرؤية مبدأً مؤسسيًا لا استثناءً إداريًا.
كما تتطلب الرؤية إعادة ضبط التخطيط المكاني والتنمية المتوازنة، عبر:
(1) مواءمة مواقع المطارات الدولية، والمناطق الصناعية، والمؤسسات التعليمية، مع توزيع السكان ومناطق الإنتاج.
(2) تحقيق العدالة المكانية والحد من الاختلالات التنموية.
(3) ترسيخ الوعي الاستراتيجي لدى صانع القرار، بحيث تصبح المعرفة الاستراتيجية شرطًا أساسيًا للقيادة.
(4) إعادة توجيه السياسات والخطط الوطنية لتتوافق عمليًا – لا شكليًا – مع أهداف التنمية المستدامة، كمؤشرات قياس حقيقية للأداء تُراجع وتُعلن بشفافية.
إن الاستراتيجية ليست رأيًا، وليست وثيقة للعرض، بل هي منهج حكم، وأداة عدالة، وضمانة مستقبل. وهي عقل الدولة الجمعي وبوصلتها في عالم متسارع لا يرحم التردد ولا يكرر الفرص. فالدول التي تحكمها رؤية استراتيجية واضحة تحكم الزمن ولا يسبقها، أما التي تفتقدها فتحكمها الصدفة، وتدفع ثمن ذلك أمنًا واستقرارًا وتنمية.
الرؤية الاستراتيجية هي جدار الأمان للأمن والاستقرار، وجسر العبور إلى التنمية المتوازنة، وضمانة العدالة بين الأجيال. وهي تشكل حصنًا منيعًا للأمن القومي من خلال تأمين الغذاء وتعزيز الإنتاج المحلي. ومن لا يمتلك رؤية تحكم قراراته اليوم، لا يمتلك مستقبلًا يصونه غدًا، مهما امتلك من موارد أو نوايا.
تبني أدبيات الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي على الاتى:
(1) يُستفاد من أطر التخطيط الاستراتيجي الحديثة كما جاء في أعمال بيتر دراكر حول “الإدارة بالأهداف” وربط الرؤية بالنتائج الملموسة.
(2) مفهوم “الاستراتيجية كإطار حاكم” متأثر بأبحاث مايكل بورتر في الاستراتيجية التنافسية وخلق قيمة مستدامة.
(3) فكرة “التوازن المكاني والعدالة الجغرافية” تستند إلى مبادئ التخطيط الحضري المتقدم كما في نموذج اليونسكو للمدن المستدامة.
(4) معايير قياس الأداء المتوافقة مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة تعكس منهجية مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) في الإدارة الاستراتيجية الحديثة.
(5) فكرة “المساءلة المؤسسية عن هدر الموارد” مستمدة من أدبيات الحوكمة الرشيدة والمساءلة الاجتماعية.
(6) مفهوم “الرؤية كعقد أخلاقي بين الدولة والمواطن” يتوافق مع نظريات العقد الاجتماعي ومبادئ الشفافية والمشاركة.
(7) التركيز على الأمن الغذائي والإنتاج يستند إلى أدبيات المرونة الاستراتيجية Strategic Resilience وسيادة الغذاء Food Sovereignty التي تبرز أهمية التخطيط الاستباقي في حماية الأمن القومي.







